للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إِذَا أُضِيفَ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ يُرَادُ بِهِ عِبَادٌ مُقَرَّبُونَ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فِي [سُورَةِ الْحِجْرِ: ٤٢] .

وَمُنَاسَبَةُ هَذَا التَّذْيِيلِ لِلْجُمْلَةِ أَنَّ الْمُخْبَرَ عَنْهُمْ قَدْ بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ وَجَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عَبِيدَهُ فَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ كَرَأْفَةِ الْإِنْسَانِ بِعَبْدِهِ فَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ (مَنْ) عَامًّا كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ فِي كُلِّ مَنْ بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ، فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِهِمْ فَعَدَلَ عَنِ الْإِضْمَارِ إِلَى الْإِظْهَارِ لِيَكُونَ هَذَا التذييل بِمَنْزِلَة الْمثل مُسْتقِلّا بِنَفسِهِ وَهُوَ من لَوَازِم التَّذْيِيلَ، وَلِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ الرَّأْفَةِ بِهِمْ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَنْفُسَهُمْ عِبَادًا لَهُ، وَإِنْ كَانَ مَا صَدَقَ (مَنْ) صُهَيْبًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَالْمَعْنَى وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ صُهَيْبٌ مِنْهُمْ، وَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالْمُنَاسَبَةُ أَنَّ صُهَيْبًا كَانَ عَبْدًا لِلرُّومِ ثُمَّ لِطَائِفَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمْ بَنُو كَلْبٍ وَهُمْ لَمْ يَرْأَفُوا بِهِ، لِأَنَّهُ عُذِّبَ فِي اللَّهِ فَلَمَّا صَار عبد الله رَأَفَ بِهِ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [الْبَقَرَة:

٢٠٤] إِلَى قَوْله رَؤُفٌ بِالْعِبادِ مَعَانٍ مِنْ مَعَانِي أَدَبِ النُّفُوسِ وَمَرَاتِبِهَا وَأَخْلَاقِهَا تُعَلِّمُ الْمُؤْمِنِينَ وَاجِبَ التَّوَسُّمِ فِي الْحَقَائِقِ وَدَوَاخِلِ الْأُمُورِ وَعَدَمَ الِاغْتِرَارِ بِالظَّوَاهِرِ إِلَّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ وَالِامْتِحَانِ، فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُغَرُّ بِحُسْنِ ظَاهِرِهِ وَهُوَ مُنْطَوٍ عَلَى بَاطِنِ سُوءٍ وَيُعْطِي مِنْ لِسَانِهِ حَلَاوَةَ تَعْبِيرٍ وَهُوَ يُضْمِرُ الشَّرَّ وَالْكَيْدَ قَالَ الْمُعَرِّيُّ:

وَقَدْ يُخْلِفُ الْإِنْسَانُ ظَنَّ عَشِيرَةٍ ... وَإِنْ رَاقَ مِنْهُ مَنْظَرٌ وَرُوَاءُ

وَقَدْ شَمِلَ هَذَا الْحَالُ

قَوْلَ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا»

بِأَحَدِ مَعْنَيَيْهِ الْمُحْتَوِي عَلَيْهِمَا وَهُوَ مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ وَتَبْلُغُ هَلْهَلَةُ دِينِهِ إِلَى حَدِّ أَنْ يُشْهِدَ اللَّهَ عَلَى أَنَّ مَا يَقُولُهُ صِدْقٌ وَهُوَ بِعَكْسِ ذَلِكَ يُبَيِّتُ فِي نَفْسِهِ الْخِصَامَ وَالْكَرَاهِيَةَ.

وَعَلَامَةُ الْبَاطِنِ تَكُونُ فِي تَصَرُّفَاتِ الْمَرْءِ فَالَّذِي يُحِبُّ الْفَسَادَ وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَلَا يَكُونُ صَاحِبَ ضَمِيرٍ طَيِّبٍ، وَأَنَّ الَّذِي لَا يُصْغِي إِلَى دَعْوَةِ الْحَقِّ إِذَا دَعَوْتَهُ إِلَيْهِ وَيُظْهِرُ عَلَيْهِ الِاعْتِزَازَ بِالظُّلْمِ لَا يَرْعَوِي عَنْ غَيِّهِ وَلَا يَتْرُكُ أَخْلَاقَهُ الذَّمِيمَةَ، وَالَّذِي لَا يَشِحُّ بِنَفْسِهِ فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ يُنْبِئُ خُلُقُهُ عَنْ إِيثَارِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ عَلَى الْبَاطِلِ وَالْفَسَادِ وَمَنْ لَا يَرْأَفُ فَاللَّهُ لَا يرأف بِهِ.