للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث:

ذكر

جمل من الأخبار الشاهدة لسعة حفظه وسيلان ذهنه، واطلاعه على العلل سوى ما تقدم

أخبرني أبو العباس البغدادي، عن الحافظ أبي الحجاج المزي، أن أبا الفتح الشيباني أخبره، أخبرنا أبو اليمان الكندي، أخبرنا أبو منصور القزاز، أخبرنا الخطيب أبو بكر بن ثابت الحافظ، حدثني محمد بن الحسن الساحلي، حدثنا أحمد بن الحسين الرازي، سمعت أبا أحمد بن عدي الحافظ يقول: سمعت عدة من مشايخ بغداد يقولون: إن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد، فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وأرادوا امتحان حفظه، فعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها، وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر، وإسناد هذا المتن لمتن آخر، ودفعوها إلى عشرة أنفس لكل رجل عشرة أحاديث، وأمروهم إذا حضروا المجلس أن يلقوا ذلك على البخاري، وأخذوا عليه الموعد للمجلس، فحضروا وحضر جماعة من الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، ومن البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه، فما زال يلقى عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ، والبخاري يقول: لا أعرفه، وكان العلماء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون فهم الرجل، ومن كان لم يدر القصة يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ، ثم انتدب رجل من العشرة أيضا فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال: لا أعرفه، فسأله عن آخر، فقال: لا أعرفه، فلم يزل يلقى عليه واحدا واحدا حتى فرغ من عشرته، والبخاري يقول: لا أعرفه، ثم انتدب الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبة، والبخاري لا يزيدهم على: لا أعرفه، فلما علم أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول فقال: أما حديثك الأول فقلت كذا، وصوابه كذا، وحديثك الثاني كذا وصوابه كذا، والثالث والرابع على الولاء، حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده، وكل إسناد إلى متنه، وفعل بالآخرين مثل ذلك، فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل، قلت: هنا يخضع للبخاري، فما العجب من رده الخطأ إلى الصواب فإنه كان حافظا؛ بل العجب من حفظه للخطأ على ترتيب ما ألقوه عليه من مرة واحدة، وروينا عن أبي بكر الكلوذاني، قال: ما رأيت مثل محمد بن إسماعيل كان يأخذ الكتاب من العلم، فيطلع عليه

اطلاعة فيحفظ عامة أطراف الأحاديث من مرة واحدة، وقد سبق ما حكاه حاشد بن إسماعيل في أيام طلبهم بالبصرة معه، وكونه كان يحفظ ما يسمع ولا يكتب.

وقال أبو الأزهر: كان بسمرقند أربعمائة محدث، فتجمعوا وأحبوا أن يغالطوا محمد بن إسماعيل، فأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وإسناد العراق في إسناد الشام، وإسناد الحرم في إسناد اليمن، فما استطاعوا مع ذلك أن يتعلقوا عليه بسقطة، وقال غنجار في تاريخه: سمعت أبا القاسم منصور بن إسحاق بن إبراهيم الأسدي يقول: سمعت أبا محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم يقول: سمعت يوسف بن موسى المروزي يقول: كنت بالبصرة في جامعها إذ سمعت مناديا ينادي: يا أهل العلم، لقد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فقاموا إليه، وكنت معهم فرأينا رجلا شابا ليس في لحيته بياض، فصلى خلف الأسطوانة فلما فرغ أحدقوا به، وسألوه أن يعقد لهم مجلسا للإملاء، فأجابهم إلى ذلك، فقام المنادي ثانيا في جامع البصرة فقال: يا أهل العلم، لقد قدم محمد بن إسماعيل البخاري، فسألناه أن يعقد مجلس الإملاء فأجاب بأن

<<  <  ج: ص:  >  >>