للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

الْكِرْثِ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ وَآخِرُهُ مُثَلَّثَةٌ، وَهُوَ الْمَشَقَّةُ وَيُسْتَعْمَلُ نَفْيُهُ فِي مَوْضِعِ عَدَمِ الْمُبَالَاةِ. قَالَ الْمُهَلَّبُ: مَعْنَى هَذِهِ التَّرْجَمَةِ، أَنَّ الطَّاعِنَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ حَالَ الْمَطْعُونِ عَلَيْهِ فَرَمَاهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ: لَا يُعْبَأُ بِذَلِكَ الطَّعْنِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ وَقَيَّدَهُ فِي التَّرْجَمَةِ بِمَنْ لَا يَعْلَمُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَنْ طَعَنَ بِعِلْمٍ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ فَلَوْ طَعَنَ بِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ كَانَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. وَعَلَى هَذَا يَتَنَزَّلُ فِعْلُ عُمَرَ مَعَ سَعْدٍ حَتَّى عَزَلَهُ، مَعَ بَرَاءَتِهِ مِمَّا رَمَاهُ بِهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ، وَأَجَابَ الْمُهَلَّبُ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَعْلَمْ مِنْ مَغِيبِ سَعْدٍ مَا عَلِمَهُ النَّبِيُّ مِنْ زَيْدٍ، وَأُسَامَةَ يَعْنِي فَكَانَ سَبَبَ عَزْلِهِ قِيَامُ الِاحْتِمَالِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: كَانَ رَأْيُ عُمَرَ احْتِمَالَ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ. فَرَأَى أَنَّ عَزْلَ سَعْدٍ أَسْهَلُ مِنْ فِتْنَةٍ يُثِيرُهَا مَنْ قَامَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبَلَدِ، وَقَدْ قَالَ عُمَرُ فِي وَصِيَّتِهِ: لَمْ أَعْزِلْهُ لِضَعْفٍ وَلَا لِخِيَانَةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: قَطَعَ النَّبِيُّ بِسَلَامَةِ الْعَاقِبَةِ فِي إِمْرَةِ أُسَامَةَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ لِطَعْنِ مَنْ طَعَنَ وَأَمَّا عُمَرُ فَسَلَكَ سَبِيلَ الِاحْتِيَاطِ لِعَدَمِ قَطْعِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فِي بَعْثِ أُسَامَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى فِي أَوَاخِرِ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ مِنْ كِتَابِ الْمَغَازِي.

قَوْلُهُ: (فَطُعِنَ فِي إِمَارَتِهِ) بِضَمِّ الطَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ، وَقَوْلُهُ: إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ أَيْ إِنْ طَعَنْتُمْ فِيهِ فَأُخْبِرُكُمْ بِأَنَّكُمْ طَعَنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فِي أَبِيهِ، وَالتَّقْدِيرُ إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ فَقَدْ أَثِمْتُمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ طَعْنَكُمْ بِذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا كَمَا كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ، وَظَهَرَتْ كِفَايَتُهُ وَصَلَاحِيَتُهُ لِلْإِمَارَةِ، وَأَنَّهُ كَانَ مُسْتَحِقًّا لَهَا فَلَمْ يَكُنْ لِطَعْنِكُمْ مُسْتَنَدٌ، فَلِذَلِكَ لَا اعْتِبَارَ بِطَعْنِكُمْ فِي إِمَارَةِ وَلَدِهِ، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَيْهِ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّمَا طَعَنُوا فِيهِ لِكَوْنِهِ مَوْلًى. وَقِيلَ: إِنَّمَا كَانَ الطَّاعِنُ فِيهِ مَنْ يُنْسَبُ إِلَى النِّفَاقِ. وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ سُمِّيَ مِمَّنْ طَعَنَ فِيهِ عَيَّاشَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَشِينٍ مُعْجَمَةٍ ابْنَ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيَّ، وَكَانَ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ لَكِنَّهُ كَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ، فَعَلَى هَذَا فَالْخِطَابُ بِقَوْلِهِ: إِنْ تَطْعَنُوا لِعُمُومِ الطَّاعِنِينَ سَوَاءٌ اتَّحَدَ الطَّاعِنُ فِيهِمَا أَمِ اخْتَلَفَ، وَقَوْلُهُ: إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا أَيْ مُسْتَحِقًّا، وَقَوْلُهُ لِلْإِمْرَةِ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ لِلْإِمَارَةِ وَهُمَا بِمَعْنًى.

٣٤ - بَاب الْأَلَدِّ الْخَصِمِ، وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ. لُدًّا: عُوجًا. ألد: أعوج.

٧١٨٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي مُلَيْكَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْأَلَدِّ الْخَصِمِ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْمُرَادِ بِهِ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ وَفِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ، وَقَوْلُهُ وَهُوَ الدَّائِمُ فِي الْخُصُومَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الْمُصَنِّفِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الشَّدِيدُ الْخُصُومَةِ فَإِنَّ الْخَصِمَ مِنْ صِيَغِ الْمُبَالَغَةِ فَيَحْتَمِلُ الشِّدَّةَ وَيَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ، وَقَوْلُهُ: لُدًّا عُوجًا، وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَلَدُّ أَعْوَجُ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى ابْنِ الْمُنِيرِ حَيْثُ صَحَّفَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فَقَالَ: قَوْلُهُ إِدًّا عُوجًا، لَا أَعْلَمُ لِهَذَا فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَجْهًا إِلَّا إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ الْأَلَدَّ مُشْتَقٌّ مِنَ اللَّدَدِ، وَهُوَ الِاعْوِجَاجُ وَالِانْحِرَافُ عَنِ الْحَقِّ، وَأَصْلُهُ مِنَ اللَّدِيدِ وَهُوَ جَانِبُ الْوَادِي وَيُطْلَقُ عَلَى جَانِبِ الْفَمِ، وَمِنْهُ اللَّدُودُ وَهُوَ صَبُّ الدَّوَاءِ مُنْحَرِفًا عَنْ وَسَطِ الْفَمِ إِلَى جَانِبِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْعِوَجَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَعَانِي كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَعْيَانِ، فَمِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْمَعَانِي اللَّدُودُ وَالْإِدُّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أَيْ شَيْئًا مُنْحَرِفًا عَنِ الصَّوَابِ وَمُعْوَجًّا عَنْ سِمَةِ الِاعْتِدَالِ. قُلْتُ: وَلَمْ أَرَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ هُنَا إِلَّا بِاللَّامِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ مَرْيَمَ نَقَلَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِدًّا