للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

لِمَا يَلْزَمُ مِنَ الِاسْتِغْرَاقِ فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْطِيلِ السُّنَنِ، وَقَوَّى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِي وَاحْتَجَّ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ يَثْبُتُ عِنْدَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ بِشَيْءٍ ثُمَّ يَرُدُّهُ إِلَّا بِادِّعَاءِ نَسْخٍ أَوْ مُعَارَضَةِ أَثَرِ غَيْرِهِ أَوْ إِجْمَاعٍ أَوْ عَمَلٍ يَجِبُ عَلَى أَصْلِهِ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ أَوْ طَعَنَ فِي سَنَدِهِ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ لَسَقَطَتْ عَدَالَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَّخَذَ إِمَامًا، وَقَدْ أَعَاذَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ خَتَمَ الْبَابَ بِمَا بَلَغَهُ عَنْ سَهْلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّسْتُرِيِّ الزَّاهِدِ الْمَشْهُورِ قَالَ: مَا أَحْدَثَ أَحَدٌ فِي الْعِلْمِ شَيْئًا إِلَّا سُئِلَ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ وَافَقَ السُّنَّةَ سَلِمَ، وَإِلَّا فَلَا.

٨ - بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يُنْزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ، وَلَمْ يَقُلْ بِرَأْيٍ وَلَا قِيَاسٍ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سُئِلَ النَّبِيُّ عَنْ الرُّوحِ، فَسَكَتَ حَتَّى نَزَلَتْ الْآيَةُ.

٧٣٠٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ الْمُنْكَدِرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: مَرِضْتُ، فَجَاءَنِي رَسُولُ اللَّهِ يَعُودُنِي وَأَبُو بَكْرٍ، وَهُمَا مَاشِيَانِ، فَأَتَانِي وَقَدْ أُغْمِيَ عَلَيَّ، فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ صَبَّ وَضُوءَهُ عَلَيَّ، فَأَفَقْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: فَقُلْتُ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ - كَيْفَ أَقْضِي فِي مَالِي؟ كَيْفَ أَصْنَعُ فِي مَالِي؟ قَالَ: فَمَا أَجَابَنِي بِشَيْءٍ حَتَّى نَزَلَتْ آيَةُ الْمِيرَاثِ.

قَوْلُهُ: بَابُ مَا كَانَ النَّبِيُّ يُسْأَلُ مِمَّا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي، أَوْ لَمْ يُجِبْ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ) أَيْ كَانَ لَهُ إِذَا سُئِلَ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ فِيهِ حَالَانِ: إِمَّا أَنْ يَقُولَ لَا أَدْرِي، وَإِمَّا أَنْ يَسْكُتَ حَتَّى يَأْتِيَهُ بَيَانُ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ. وَالْمُرَادُ بِالْوَحْيِ أَعَمُّ مِنَ الْمُتَعَبَّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِقَوْلِهِ: لَا أَدْرِي دَلِيلًا فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْمُعَلَّقِ وَالْمَوْصُولِ مِنْ أَمْثِلَةِ الشِّقِّ الثَّانِي، وَأَجَابَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ اسْتَغْنَى بِعَدَمِ جَوَابِهِ بِهِ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: فِي قَوْلِهِ فِي التَّرْجَمَةِ لَا أَدْرِي حَزَازَةٌ؛ إِذْ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ذَلِكَ.

كَذَا قَالَ، وَهُوَ تَسَاهُلٌ شَدِيدٌ مِنْهُ فِي الْإِقْدَامِ عَلَى نَفْيِ الثُّبُوتِ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ أَشَارَ فِي التَّرْجَمَةِ إِلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِهِ، وَإِنْ كَانَ يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ كَعَادَتِهِ فِي أَمْثَالِ ذَلِكَ، وَأَقْرَبُ مَا وَرَدَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمَاضِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ ص مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ، الْحَدِيثَ لَكِنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ إِنَّمَا هُوَ مَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ أَجَابَ بِلَا أَعْلَمُ أَوْ لَا أَدْرِي وَقَدْ وَرَدَتْ فِيهِ عِدَّةُ أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: أَيُّ الْبِقَاعِ خَيْرٌ، قَالَ: لَا أَدْرِي، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ: لَا أَدْرِي، فَقَالَ: سَلْ رَبَّكَ فَانْتَفَضَ جِبْرِيلُ انْتِفَاضَةً الْحَدِيثَ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلِلْحَاكِمِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مَا أَدْرِي الْحُدُودَ كَفَّارَةٌ لِأَهْلِهَا أَمْ لَا وَهُوَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحَاكِمِ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ عُبَادَةَ مِنْ كِتَابِ الْعِلْمِ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عُبَادَةَ، وَوَقَعَ الْإِلْمَامُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ أَيْضًا، وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي أَوَائِلِ مُخْتَصَرِهِ لِثُبُوتِ لَا أَدْرِي وَقَدْ أَوْرَدْتُ مِنْ ذَلِكَ مَا تَيَسَّرَ فِي الْأَمَالِي فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْمُخْتَصَرِ.