للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَسْبَاطِ بْنِ نَصْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ مَوْقُوفًا، وَظَاهِرُ سِيَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَ الصَّغِيرَةِ فِي الْحَرَمِ أَشَدُّ مِنْ فِعْلِ الْكَبِيرَةِ فِي غَيْرِهِ، وَهُوَ مُشْكِلٌ فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِلْحَادِ فِعْلُ الْكَبِيرَةِ، وَقَدْ يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ؛ فَإِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ الْآيَةَ يُفِيدُ ثُبُوتَ الْإِلْحَادِ وَدَوَامَهُ، وَالتَّنْوِينُ لِلتَّعْظِيمِ أَيْ مَنْ يَكُونُ إِلْحَادُهُ عَظِيمًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

قَوْلُهُ: (وَمُبْتَغٍ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ يَكُونُ لَهُ الْحَقُّ عِنْدَ شَخْصٍ فَيَطْلُبُهُ مِنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ مُشَارَكَةٌ كَوَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ قَرِيبِهِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ مَنْ يُرِيدُ بَقَاءَ سِيرَةِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ إِشَاعَتَهَا أَوْ تَنْفِيذَهَا.

وَسُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ اسْمُ جِنْسٍ يَعُمُّ جَمِيعَ مَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَعْتَمِدُونَهُ مِنْ أَخْذِ الْجَارِ بِجَارِهِ وَالْحَلِيفِ بِحَلِيفِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ مَا جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَرْكِهِ كَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ رَفَعَهُ: إِنَّ أَعْتَى النَّاسِ عَلَى اللَّهِ مَنْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ، أَوْ طَلَبَ بِدَمِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِسْلَامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُفَسَّرَ بِهِ سُنَّةُ الْجَاهِلِيَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: (وَمُطَّلِبٌ) بِالتَّشْدِيدِ مُفْتَعِلٌ مِنَ الطَّلَبِ فَأُبْدِلَتِ التَّاءُ طَاءً وَأُدْغِمَتْ وَالْمُرَادُ مَنْ يُبَالِغُ فِي الطَّلَبِ.

وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الْمَعْنَى الْمُتَكَلِّفُ لِلطَّلَبِ، وَالْمُرَادُ الطَّلَبُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ لَا مُجَرَّدُ الطَّلَبِ، أَوْ ذَكَرَ الطَّلَبَ لِيَلْزَمَ الزَّجْرُ فِي الْفِعْلِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.

وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ حَقٍّ احْتِرَازٌ عَمَّنْ يَقَعُ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنْ بِحَقٍّ كَطَلَبِ الْقِصَاصِ مَثَلًا. وَقَوْلُهُ: لِيُهَرِيقَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْعَزْمَ الْمُصَمَّمَ يُؤَاخَذُ بِهِ، وَتَقَدَّمَ الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ.

(تَنْبِيهٌ):

وَقَفْتُ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى سَبَبٍ فَقَرَأْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُتِلَ رَجُلٌ بِالْمُزْدَلِفَةِ يَعْنِي فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ، فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَفِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَعْتَى عَلَى اللَّهِ مِنْ ثَلَاثَةٍ: رَجُلٍ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قَاتِلِهِ أَوْ قَتَلَ بِذَحْلٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

وَمِنْ طَرِيقِ مِسْعَرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُهُ: إِنَّ أَجْرَأَ النَّاسِ عَلَى اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِيهِ: وَطَلَبَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ.

١٠ - بَاب الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ

٦٨٨٣ - حَدَّثَنَا فَرْوَةُ بْنُ أَبِي الْمَغْرَاءِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: هُزِمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مَرْوَانَ يَحْيَى بْنُ أَبِي زَكَرِيَّا - يَعْنِي الْوَاسِطِيَّ -، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: صَرَخَ إِبْلِيسُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي النَّاسِ يَا عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ حَتَّى قَتَلُوا الْيَمَانِ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ. قَالَ: وَقَدْ كَانَ انْهَزَمَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى لَحِقُوا بِالطَّائِفِ.

قَوْلُهُ: (بَابُ الْعَفْوِ فِي الْخَطَأ بَعْدَ الْمَوْتِ) أَيْ عَفْوِ الْوَلِيِّ لَا عَفْوِ الْمَقْتُولِ لِأَنَّهُ مُحَالٌ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَدْخُلَ، وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ لَا يَظْهَرُ أَثَرُهُ إِلَّا فِيهِ؛ إِذْ لَوْ عَفَا الْمَقْتُولُ ثُمَّ مَاتَ لَمْ يَظْهَرْ لِعَفْوِهِ أَثَرٌ، لِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ تَبَيَّنَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُ يَعْفُو عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَفْوَ الْوَلِيِّ إِنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مَوْتِ الْمَقْتُولِ، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَالْعَفْوُ لِلْقَتِيلِ، خِلَافًا لِأَهْلِ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ أَبْطَلُوا عَفْوَ الْقَتِيلِ، وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْوَلِيَّ لَمَّا قَامَ مَقَامَ الْمَقْتُولِ فِي طَلَبِ