للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رقم الحديث:

بِالْمَفْهُومِ أَوْ بِالْمَنْطُوقِ أَيْضًا، لَكِنَّ ذَاكَ أَصْرَحُ مِنْهُ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ حَمَلَ حَدِيثَ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ عَلَى صُورَةٍ مَخْصُوصَةٍ، وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي الْمَنَامِ مِنْ رُؤْيَةِ الْجِمَاعِ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ يَجْمَعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ.

(تَنْبِيهٌ): فِي قَوْلِهِ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ جِنَاسٌ تَامٌّ، وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ مَاءُ الْغُسْلِ وَبِالثَّانِي الْمَنِيُّ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّ كَلَامَ الْعَرَبِ يَقْتَضِي أَنَّ الْجَنَابَةَ تُطْلَقُ بِالْحَقِيقَةِ عَلَى الْجِمَاعِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ، فَإِنَّ كُلَّ مَنْ خُوطِبَ بِأَنَّ فُلَانًا أَجْنَبَ مِنْ فُلَانَةَ، عَقِلَ أَنَّهُ أَصَابَهَا، وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ، قَالَ: وَلَمْ يُخْتَلَفْ أَنَّ الزِّنَا الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ هُوَ الْجِمَاعُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إِنْزَالٌ. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: إِيجَابُ الْغُسْلِ بِالْإِيلَاجِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْإِنْزَالِ نَظِيرُ إِيجَابِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى خُرُوجِ الْبَوْلِ (١) فَهُمَا مُتَّفِقَانِ دَلِيلًا وَتَعْلِيلًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٩٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو أَيُّوبَ قَالَ: أَخْبَرَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِذَا جَامَعَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَلَمْ يُنْزِلْ قَالَ يَغْسِلُ مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ: الْغَسْلُ أَحْوَطُ، وَذَاكَ الْآخِرُ، وَإِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ قَوْلُهُ: (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) يَعْنِي أَبَاهُ عُرْوَةَ، وَهُوَ وَاضِحٌ، وَإِنَّمَا نَبَّهْتُ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهُ نَظِيرُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، لِكَوْنِهِ ذُكِرَ فِي الْإِسْنَادِ.

قَوْلُهُ: (مَا مَسَّ الْمَرْأَةَ مِنْهُ) أَيْ يَغْسِلُ الرَّجُلُ الْعُضْوَ الَّذِي مَسَّ فَرْجَ الْمَرْأَةِ مِنْ أَعْضَائِهِ، وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَلْزُومِ وَإِرَادَةِ اللَّازِمِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ رُطُوبَةُ فَرْجِهَا.

قَوْلُهُ: (ثُمَّ يَتَوَضَّأُ) صرِيحٌ فِي تَأْخِيرِ الْوُضُوءِ عَنْ غَسْلِ الذَّكَرِ، زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِشَامٍ فِيهِ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.

قَوْلُهُ: (وَيُصَلِّي) هُوَ أَصْرَحُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى تَرْكِ الْغُسْلِ مِنَ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ.

قَوْلُهُ: (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ) هوَ الْمُصَنِّفُ، وَقَائِلُ ذَلِكَ هُوَ الرَّاوِي عَنْهُ.

قَوْلُهُ: (الْغُسْلُ أَحْوَطُ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا يَثْبُتَ النَّاسِخُ وَلَا يَظْهَرُ التَّرْجِيحُ، فَالِاحْتِيَاطُ لِلدِّينِ الِاغْتِسَالُ.

قَوْلُهُ: (الْأَخِيرُ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ وَلِغَيْرِهِ الْآخَرُ بِالْمَدِّ بِغَيْرِ يَاءٍ أَيْ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الشَّارِعِ أَوْ مِنِ اجْتِهَادِ الْأَئِمَّةِ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ، فَعَلَى هَذَا الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ وَذَاكَ إِلَى حَدِيثِ الْبَابِ.

قَوْلُهُ: (إِنَّمَا بَيَّنَّا لِاخْتِلَافِهِمْ) وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ إِنَّمَا بَيَّنَّا اخْتِلَافَهُمْ وَلِلْأَصِيلِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّاهُ لِاخْتِلَافِهِمْ وَفِي نُسْخَةِ الصَّغَانِيِّ إِنَّمَا بَيَّنَّا الْحَدِيثَ الْآخَرَ لِاخْتِلَافِهِمْ وَالْمَاءُ أَنْقَى وَاللَّامُ تَعْلِيلِيَّةٌ أَيْ حَتَّى لَا يُظَنَّ أَنَّ فِي ذَلِكَ إِجْمَاعًا.

وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ: إِيجَابُ الْغُسْلِ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَمَا خَالَفَ فِيهِ إِلَّا دَاوُدُ، وَلَا عِبْرَةَ بِخِلَافِهِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ الصَّعْبُ مُخَالَفَةُ الْبُخَارِيِّ وَحُكْمُهُ بِأَنَّ الْغُسْلَ مُسْتَحَبٌّ، وَهُوَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الدِّينِ، وَأَجِلَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ أَخَذَ يَتَكَلَّمُ فِي تَضْعِيفِ حَدِيثِ الْبَابِ بِمَا لَا يُقْبَلُ مِنْهُ، وَقَدْ أَشَرْنَا إِلَى بَعْضِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْبُخَارِيِّ بِقَوْلِهِ الْغُسْلُ أَحْوَطُ أَيْ فِي الدِّينِ، وَهُوَ بَابٌ مَشْهُورٌ فِي الْأُصُولِ، قَالَ: وَهُوَ أَشْبَهُ بِإِمَامَةِ الرَّجُلِ وَعِلْمِهِ.

قُلْتُ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَصَرُّفِهِ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَرْجِمْ بِجَوَازِ تَرْكِ الْغُسْلِ، وَإِنَّمَا تَرْجَمَ بِبَعْضِ مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى إِيجَابِ الْوُضُوءِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَأَمَّا نَفْيُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ الْخِلَافَ فَمُعْتَرَضٌ، فَإِنَّهُ مَشْهُورٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ثَبَتَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ لَكِنِ ادَّعَى ابْنُ الْقَصَّارِ أَنَّ الْخِلَافَ ارْتَفَعَ بَيْنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ


(١) في مخطوطة الرياض "المذى"