للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥]. قال: "ثم حَمِيَ الوحْيُ وتتابع.

فهذا كان أولَ ما نزل من القرآنِ بعد فترة الوحي، لا مطلقًا، ذاك قوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ وقد ثبتَ عن جابر أنَّ أوَّلَ ما نزل ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ واللائق حَمْلُ كلامِه ما أمكن على ما قلناه، فإنَّ في سياقِ كلامه ما يدلُّ على تقدُّم مجيء الملَكِ الذي عرفه ثانيًا بما عرفه به أولًا إليه. ثم قوله: يحدِّثُ عن فترة الوحي، دليلٌ على تقدُّم الوحي على هذا الإيحاء والله أعلم.

وقد ثبت في الصحيحين (١) من حديث عليِّ بن المبارك، وعند مسلم عن (٢) الأوزاعي كلاهما عن يحيى بن أبي كثير قال: سألتُ أبا سَلَمة بنَ عبد الرحمن: أيُّ القرآنِ أُنزِلَ قبلُ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ فقال: سألتُ جابرَ بن عبدِ الله: أيُّ القرآنِ أُنزل قبلُ؟ فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ فقلت: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾؟ فقال: قال رسولُ الله : "إني جاورتُ بحِرَاء شهرًا، فلما قضَيْتُ جِوَاري نزلتُ فاستبطَنْتُ الوادي، فنُوديتُ، فنظرتُ بين يديَّ وخَلْفي وعن يميني وعن شِمالي فلم أر شيئًا، ثم نظرتُ إلى السماء فإذا هو على العرش في الهواء، فأخذَتْني رِعْدَة - أو قال وحشة (٣) - فأتيتُ خديجةَ، فأمرتُهم يُدَثِّروني، فأنزل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ حتَّى بلغ ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.

وقال في رواية (٤): "فإذا الملَكُ الذي جاءني بحِرَاء جالسٌ على كرسيٍّ بين السماء والأرض، فجَئِثْتُ منه".

وهذا صريحٌ في تقدُّم إتيانِهِ إليه، وإنزالِهِ الوحيَ من الله عليه كما ذكرناه والله أعلم.

ومنهم من زعم أنَّ أولَ ما نزل بعد فترةِ الوحي سورة ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ إلى آخرها. قاله محمد بن إسحاق (٥).

وقال بعضُ القراء (٦): ولهذا كبَّرَ رسولُ اللَّه في أولها فرَحًا وهو قولٌ بعيد، يردُّه ما تقدَّم من روايةِ صاحِبَي الصحيح في أنَّ أولَ القرآنِ نزولًا بعد فترةِ الوحي: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ولكنْ نزلتْ سورةُ والضحى بعد فترةٍ أُخرى كانت لياليَ يسيرة، كما ثبت في الصحيحَيْن (٧) وغيرهما من حديث الأسود بن


(١) فتح الباري (٤٩٢٢) تفسير سورة المدثر (٧٤) وصحيح مسلم (١٦١) (٢٥٧) الإيمان باب بدء الوحي.
(٢) في ط: "وعند مسلم والأوزاعي" وهو خطأ، والصواب ما أثبتناه، فقد رواه مسلم زهير بن حرب، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي. (بشار).
(٣) في صحيح مسلم رجفة.
(٤) وهي رواية البخاري رقم (٤٩٢٥) باب وثيابك فطهر.
(٥) سيرة ابن هشام (١/ ٢٤١) والروض (١/ ٢٨١).
(٦) النشر لابن الجزري (٢/ ٤٠٥، ٤٠٦).
(٧) فتح الباري (٤٩٥٠) تفسير سورة والضحى (٩٣) باب ما ودعك ربك. وصحيح مسلم (١٧٩٧) (١١٥) الجهاد =