للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

له الكاظم. وُلد سنة ثمانٍ أو تسعٍ وعشرين ومئة؛ وكان كثيرَ العبادةِ والمروءة، إذا بلغَهُ عن أحدٍ أنه يؤذيه أرسل إليه بالذَّهَبِ والتُّحَف. وُلد له من الذكورِ والإناث أربعونَ نَسَمة. وأهدَى له مرة عبدٌ عصِيدَةً، فاشتراهُ واشترى المزرعةَ التي هو فيها بألفِ دينار، وأعتَقَهُ وَوَهب المزرعةَ له. وقد استدعاهُ المهديُّ إلى بغداد، فحَبَسه، فلما كان في بعضِ الليالي، رأى المهديُّ عليَّ بنَ أبي طالبٍ وهو يقولُ له: يا محمد، ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢]، فاستيقظ مذعورًا، وأمَرَ بهِ فأُخرج من السجنِ ليلًا، فأجلَسَهُ معه وعانَقَه، وأقبل عليه، وأخذ عليه العَهْدَ أنْ لا يَخرُجَ عليه، ولا على أحدٍ من أولادِه. فقال: واللَّه ما هذا من شأني، ولا حدَّثْتُ فيه نفسي. فقال: صدقت. وأمَرَ له بثلاثةِ آلافِ دينار، وأمَرَ به فرُدَّ إلى المدينة، فما أصبح الصباحُ إلَّا وهو على الطريق، فلم يزَلْ بالمدينةِ حتى كانتْ خلافةُ الرشيد، فحجَّ، فلما دخَلَ لِيُسلِّمَ على قبرِ النبيِّ ، ومعه موسى بن جعفر الكاظِم، فقال الرشيدُ: السلامُ عليكَ يا رسولَ اللَّه، يا بنَ عمّ. فقال موسى: السلامُ عليك يا أبتِ. فقال الرشيد: هذا هو الفخرُ يا أبا الحسن! ثم لم يزَلْ في نفسِه حتى استدعاهُ في سنةِ تسعٍ وستين، وسجَنَهُ فأطالَ سجنَه؛ فكتب إليه موسى رسالةً يقولُ فيها: أمَّا بعد، يا أمير المؤمنين، إنه لم ينقَضِ عنِّي يومٌ من البلاء إلَّا انقضَى عنك يومٌ من الرَّخاء، حتى يُفضي بنا ذلك إلى يومٍ يَخْسَرُ فيهِ الْمُبْطلون.

توفي لخمسٍ بقينَ من رجب من هذه السنةِ ببغداد، وقبرُه هناك مشهور.

[وفيها توفي]

هُشيم بن بَشير أبي خازم (١) بن القاسم بن دينار، أبو معاوية السُّلَمي الواسطي، كان أبوهُ طَبَّاخًا للحجَّاج بن يوسف الثقفي ثم كان بعدَ ذلك يَبيعُ الصِّحْناةَ والكوامِخ (٢). وكان يَمْنعُ ابنَهُ منْ طلَبِ العلم


= (٢/ ١٨٤)، تهذيب الكمال (٢٩/ ٤٣)، ميز ان الاعدال (٦/ ٥٣٨)، تهذيب التهذيب (١٠/ ٣٠٢)، تقريب التهذيب (٥٥٠).
(١) ترجمته في التاريخ الكبير (٨/ ٢٤٢)، التاريخ الصغير (٢/ ٢٣٢)، الكنى والأسماء لمسلم (٢/ ٧٥٩)، الجرح والتعديل (٩/ ١١٥)، معرفة الثقات (٢/ ٣٣٤)، مشاهير علماء الأمصار (١٧٧)، ميزان الاعتدال (٧/ ٩٠)، المقتنى في سرد الكنى (٨٦)، تذكرة الحفاظ (٢٤٨)، طبقات المحدثين (٧٠)، تهذيب التهذيب (١١/ ٥٣)، تقريب التهذيب (٥٧٤)، لسان الميزان (٧/ ٤١٩)، طبقات الحفاظ (١١١).
(٢) "الصِّحْناةُ" -بالكسر-: إدامٌ يُتَّخذُ من السمك، يُمدّ ويقصر، والصَّحناةُ أخصُّ منه. وقال ابن سيده: الصِّحْنا والصِّحْناةُ الصِّيرُ. وحُكي عن أبي زيد: الصِّحْناة فارسية، وتسمِّيها العربُ الصِّيرَ، قال: وسأل رجل الحسن عن الصحناة فقال: وهل يأكل المسلمون الصِّحْناة؟ قال: ولم يعرفها الحسن لأنها فارسية، ولو سأله عن الممير لأجابه. وأورد ابنُ الأثير هذا الفصل وقال فيه الصِّحْناةُ هي التي يقال لها الصِّيَرُ، قال، وكلا اللفظين غير عربي. والكوامخ: جمع الكامخ: وهو نوع من الأدْم معرّب. لسان العرب (كمخ، صحن).

<<  <  ج: ص:  >  >>