للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[فصل: في تجديد قريش بناء الكعبة قبل المبعث بخمس سنين]

ذكَرَ البيهقيُّ (١) بناءَ الكعبة قبل تزويجة خديجة. والمشهور أنَّ بناء قريش الكعبة بعد تزويج خديجة كما ذكرناه بعشر سنين. ثم شرع البيهقي في ذكر بناء الكعبة في زمنِ إبراهيم كما قدمناه في قصته، وأورد حديثَ ابنِ عباس المتقدِّم في "صحيح" البخاري (٢) وذكر ما ورد من الإسرائيليات في بنائه في زمن آدم، ولا يصحُّ ذلك، فإنَّ ظاهر القرآن يقتضي أن إبراهيم أولُ من بناه مبتدِئًا، وأولُ مَنْ أسَّسه، وكانت بقعتُه معظَّمة قبل ذلك، معتنًى بها، مشرَّفةً في سائر الأعصارِ والأوقات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٦ - ٩٧].

وثبت في "الصحيحين" (٣) عن أبي ذرّ قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مسجدٍ وُضع أوَّل؟ قال: "المسجدُ الحرام" قلتُ: ثم أيّ؟ قال: "المسجدُ الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال: "أربعون سنة".

وقد تكلَّمنا على هذا فيما تقدَّم (٤)، وأنَّ المسجد الأقصى أسَّسه إسرائيلُ وهو يعقوب .

وفي "الصحيحَيْن" (٥): "إنَّ هذا البلد حرَّمَهُ اللهُ يومَ خَلَق السماواتِ والأرض، فهو حرامٌ بحُرْمةِ اللهِ إلى يوم القيامة".

وقال البيهقي (٦): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثنا أبو عبد الله الصفَّار، حدّثنا أحمد بن مِهْران، حدّثنا عُبيد الله، حدّثنا إسرائيل، عن أبي يحيى، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان البيتُ قبل الأرض بألفَيْ سنة ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: ٣] قال: من تحته مدًّا (٧).


(١) ذِكْرُ بناء الكعبة في دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٣ - ٦٤).
(٢) حديث البخاري هذا تقدم في الجزء الأول، عند ذكر مولد إسماعيل .
(٣) فتح الباري (٣٤٢٥) الأنبياء باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾ وصحيح مسلم (٢ - ٥٢٠) كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
(٤) تقدم في (١/ ١٦٢) من هذا الكتاب ط.
(٥) صحيح البخاري، فتح (١٨٣٤) جزاء الصيد باب لا يحل القتال بمكة و (٣١٨٩) الجزية والموادعة باب إثم الغادر للبر والفاجر، وصحيح مسلم (١٣٥٣) (٤٤٥) الحج باب تحريم مكة وصيدها وخلاها.
(٦) في الدلائل (٢/ ٤٤).
(٧) في ط: مدت. والمثبت من ح ودلائل البيهقي. والحديث أخرجه الحاكم أيضًا بهذا اللفظ في المستدرك (٢/ ٥١٨) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد!. أقول: وسيأتي كلام المصنف عليه.