للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

مدينةِ أبي جعفر، وتفرَّق عنه عامَّة الناس في الطريق، لا يَلْوي أحدٌ على أحد، حتى دخل قصرَ أبي جعفر، وانتقل من الخُلْد لكثرةِ ما يأتيه فيه من رَمْي المنجنيق، وأمَرَ بتحريقِ ما كان فيه من الأثاث، والبُسطِ والأمتعة، وغيرِ ذلك. ثم حُصر حَصْرًا شديدًا، ومع هذه الشَّدَّة والضِّيق، وإشرافِهِ على الهلاك خرج ذاتَ ليلةٍ في ضوءِ القمر إلى شاطئ دِجْلة، واستدعى بنبيذٍ وجارية، فغنَّتْه، فلم ينطلق لسانُها إلَّا بالفرَاقيَّاتِ وذكرِ الموت، وهو يقول: غيرَ هذا. وتذكر نظيرَه حتى غنَّته آخرَ ما غنَّتْه:

أما ورَبِّ السُّكونِ والحَرَكِ … إنَّ المنايا كثيرةُ الشَّرَكِ

ما اختلفَ الليلُ والنهارُ ولا … دارَتْ نجومُ السماءِ في الفَلَكِ

إلَّا لِنَقْلِ السلطانِ من مَلِكٍ … غاوٍ يُحبُّ الدُّنيا إلى مَلِكِ (١)

ومُلكُ ذي العرشِ دائم أبدًا … ليس بفانٍ ولا بمُشْتَركِ (٢)

قال فسبَّها وأقامَها من عندِه، فعثَرَتْ في قَدحٍ كان له بِلَّوْر فكسرتْه فتطيَّرَ بذلك. ولما ذهبتِ الجاريةُ سمع صارخًا يقول: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: ٤١]. فقال لجليسِه: ويحك ألا تسمع؟ فتسمَّع، فلم يسمع شيئًا، ثم عادَ الصوتُ بذلك، فما كان إلَّا ليلةٌ أو ليلتان، حتى قُتل في رابعِ صفر، يوم الأحد، وقد حصل له من الجهد والضِّيق في حَصْرِه شيئًا كثيرًا، بحيثُ إنه لم يبقَ له طعامٌ يأكلُه، ولا شراب، فجاع ليلةً فما أُتي برغيفٍ ودجاجة إلَّا بعد شدَّة عظيمة، ثم طلب ماءً فلم يوجدْ له. فبات عطشانًا (٣)، فلما أصبح قُتل قبلَ أن يشرَبَ الماء.

كيفيةُ مَقْتَلِه

لما اشتدَّ به الأمر اجتمع عندَهُ مَنْ بَقِيَ من الأمراء والخدَم والجُند، فشاورهم في أمرِه، فقالتْ طائفة: تذهَبُ بمنْ بَقِيَ معك إلى الجزيرةِ أو الشام، فتتقوَّى بالأموال، وتستخدمُ الرجال. وقال بعضُهم: تخرُح إلى طاهر، وتأخذُ منه أمانًا وتُبايعُ لأخيك، فإذا فعلتَ ذلك فإنَّ أخاكَ سيأمُرُ لك بما يكفيكَ ويكفي أهلَكَ من أمرِ الدنيا، وغايةُ مرادِك الدَّعَةُ والرَّاحة، وذلك يحصُل لك تامًّا. وقال بعضُهم: بل هَرْثمة أولى بأنْ يأخذَ لك منه الأمان، فإنَّه مولاكم، وهو أحْنَى عليك. فمالَ إلى ذلك؛ فلما كانتْ ليلةُ الأحد الرابع من صفر بعدَ عشاء الآخِرة واعَدَ هرثمةَ أنْ يخرجَ إليه، ثم لبس ثيابَ الخلافةِ


(١) في (ق): "قد انقضى ملكه إلى ملك"، وفي تاريخ الطبري (٥/ ٩٣): "عان بحب الدنيا إلى ملك". والمثبت من (ب، ح).
(٢) الأبيات في تاريخ الطبري (٥/ ٩٣)، ورويت ضمن أبيات أخر فيه (٤/ ٥٤٣)، والكامل في التاريخ لابن الأثير (٥/ ٤٠١)، وبغية الطلب (٣/ ١٤٩٢).
(٣) كذا في الأصول، ويصح صرفه، لأنه يقال في مؤنثه: عطشانة وعطثى. كما في لسان العرب (عطش).

<<  <  ج: ص:  >  >>