للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ذكر نزول عيسى ابن مريم من السماء الدنيا إلى الأرض في آخر الزمان]

قال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨) وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)[النساء].

قال ابن جرير في "تفسيره": حدّثنا ابن بشار، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا سُفيان، عن أبي حَصِين، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى ابن مريم. وهذا إسناد صحيح، وكذا روى العَوفي، عن ابن عبّاس.

وقال أبو مالك: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾، ذلك عند نزول عيسى ابن مريم، لا يبقى أحدٌ من أهل الكتاب إلّا آمنَ به.

وقال الحسن البصريّ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قال: قبل موت عيسى، واللَّه إنّه الآن حيّ عند اللَّه، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون. رواه ابن جَرير.

وروى ابن أبي حاتم عنه: أن رجُلًا سأل الحسن عن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ فقال: قبل موت عيسى، إن اللَّه تعالى رفع إليه عيسى، وهو باعثهُ قبل يوم القيامة، مقامًا: يؤمن به البَرُّ والفاجِرُ. وهكذا قال قتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد، وهو ثابت في "الصحيحين"، عن أبي هريرة، كما سيأتي موقوفًا، وفي رواية مرفوعًا، واللَّه أعلم.

وهذا هو المقصود من السياق: الإخبار بحياته الآن في السماء، وليس الأمر كما يزعمُه أهلُ الكتاب الجهلة أنهم صَلَبوُه، بل رفعه اللَّه إليه، ثم يَنزل من السماء قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديثُ المُتَواترة كما سبق في أحاديث الدجّال، وكما سيأتي أيضًا، وباللَّه المستعان.

وقد رُوي عن ابن عباس وغيرِه أن الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عائد على أهل الكتاب، أي يؤمن بعيسى قبل الموت، وذلك لو صحّ لما كان مخالفًا للأول، ولكن الصحيح في المعنى والإسناد ما ذكرناه، وقد قررناه في كتابنا "التفسير" بما فيه كفاية، وللَّه الحمد والمنة.

[ذكر الأحاديث الواردة في ذلك]

قد تقدَّم في حديث النوَّاس بَن سِمعان عند مسلم أنَّ عيسى ينزِلُ على المنارةِ البيضاءَ شرقيّ

<<  <  ج: ص:  >  >>