للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وإنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ … وَإنْ شِئْتِ بهِ أجْمَعْ

فقالت: بل به أجمع، فقال: بذلك أوحي إليّ، وأقامت عنده ثلاثة أيام، ثم رجعت إلى قومها فقالوا: ما أصدقَكِ؟ فقالت: لم يصدقني شيئًا، فقالوا: إنه قبيحٌ على مثلك أن تتزوج بغير صَداق فبعثت إليه تسألُه صَداقًا، فقال: أرسلي إليَّ مؤذنك، فبعثته إليه - وهو شَبَت بن رِبعي - فقال: نادِ في قومك: إن مسيلمةَ بن حبيب رسولَ الله قد وضعَ عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد - يعني صلاة الفجرِ وصلاة العشاءِ الآخرةِ - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله. ثم انثنت سَجَاح راجعةً إلى بلادها وذلك حين بلغَها دنوُّ خالد من أرض اليمامة فكرَّتْ راجعةً إلى الجزيرة بعدما قبضَتْ من مسيلمة نصفَ خراجِ أرضِهِ، فأقامت في قومها بني تَغْلِب، إلى زمان معاوية، فأجلاهم منها عامَ الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه.

فصل في خبرِ مالِكٍ بن نُوَيْرَةَ اليَرْبوعي التَّميمي (١)

كان قد صانع سَجاحِ حين قدمتْ من أرض الجزيرةِ، فلما اتّصلتْ بمسيلمةَ لعنهما الله، ثم ترحلت إلى بلادها - فلما كان ذلك - ندمَ مالكُ بن نُوَيْرَة على ما كان من أمره، وتلوَّم في شأنه، وهو نازل بمكان يقال له: البطاح، فقصدها خالدٌ بجنوده، وتأخّرت عنه الأنصار، وقالوا: إنّا قد قضينا ما أمرنا به الصدِّيق، فقال لهم خالد: إن هذا أمرٌ لا بدَّ من فعله، وفرصةٌ لابدَّ من انتهازها، وإنه لم يأتني فيها كتابٌ، وأنا الأمير وإليّ تردُ الأخبارُ، ولست بالذي أجبركم على المسير، وأنا قاصدٌ البطاحَ. فسارَ يومين ثم لحقَهُ رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار، فلحقوا به، فلما وصلَ البطاحَ وعليها مالك بن نوَيْرة، فبثَّ خالدٌ السرايا في البطاح يدعونَ الناسَ، فاستقبله أمراءُ بني تميم بالسمعِ والطاعةِ، وبذلوا الزكوات، إلَّا ما كانَ من مالك بن نويرة فإنّه متحيرٌ في أمره، مُتَنحٍّ عن الناس، فجاءته السرايا فأسروه وأسروا معه أصحابَه، واختلفت السريةُ فيهم، فشهد أبو قتادة - الحارث بن ربعي الأنصاري - أنهم أقاموا الصلاةَ، وقال آخرون: إنهم لم يُؤَذّنوا ولا صَلّوا، فيقال: إن الأسارى باتوا في كبولهم (٢) في ليلة شديدةِ البردِ، فنادى منادي خالدٍ: أن أدفئوا أسراكم، فظنَّ القوم أنّه أراد القتلَ، فقتلوهم، وقتل ضرارُ بن الأزور مالكَ بن نُوَيْرة، فلما سمعَ الداعية خرج وقد فرغوا منهم، فقال: إذا أراد الله أمرًا أصابه.

واصطفى خالد امرأةَ مالكِ بن نُوَيْرة وهي أم تميم ابنة المنهال، وكانت جميلةً، فلما حَلَّتْ بنى بها، ويقال: بل استدعى خالدٌ مالكَ بن نويرة، فأنّبه على ما صدر منه من متابعة سَجَاح، وعلى منعِه الزكاة وقال: ألم تعلمْ أنها قرينةُ الصلاة؟ فقال مالكٌ: إن صاحبَكم كان يزعمُ ذلك، فقال: أهو صاحبُنا وليس


(١) أخبار ابن نويرة اليربوعي في تاريخ الطبري (٣/ ٢٧٦) والكامل لابن الأثير (٢/ ٣٥٧).
(٢) كبول: جمع كبْل وهو القيد - ويكسر. القاموس (كبل).