للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الحافظُ البَيْهقيّ في كتابه "دلائل النبوة" (١) من طريق الواقدي، وهو ضعيف، وشيوخه لم يُسَمَّوْا (٢) ثم هو منقطع بكل حال، ومخالفٌ لما صحَّ، وفيه غرابة شديدةٌ، وهو رفع الخاتم. فاللَّه أعلم بالصواب. وقد ذكر الواقديّ وغيرُه في الوفاة أخبارًا كثيرة فيها نكارات وغرابة شديدة أضْرَبْنا عن أكثرها صَفْحًا؛ لضَعْفِ أسانيدها، ونكارةِ متونِها، ولا سيّما ما يوردُهُ كثيرٌ من القُصّاصِ المُتْأخِّرين، وغيرهم، فكثيرٌ منه موضوع لا محالة. وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المرويَّة في الكتب المشهورة غنيةٌ عن الأكاذيب وما لا يعرف سندة، واللَّه أعلم.

فصل في ذِكْرِ أُمورٍ مهمةٍ وَقَعَتْ بعد وفاتِه وقبل دَفْنِه

ومن أعظمها وأجلها وأيمنها بركة على الإسلام وأهله بَيْعَةُ أبي بكر الصدّيق ، وذلك لأنه ، لمّا ماتَ كان الصدّيقُ، ، قد صلَّى بالمُسلمين صلاةَ الصُّبْحِ، وكان إذ ذاكَ قد أفاقَ رسولُ اللَّه ، إفافةً من غَمْرةِ ما كان فيه من الوَجَعِ، وكشَفَ سِتْرَ الحُجْرَةِ، ونظر إلى المسلمين، وهم صفوف في الصلاة خلف أبي بكر، فأَعْجَبه ذلك وتَبَسَّم، صلوات اللَّه وسلامه عليه، حتَّى هَمَّ المسلمون أن يَتْرُكوا ما هم فيه من الصلاةِ، لفرحهم به، وحتّى أراد أبو بكر أن يتأخَّر، ليصِلَ الصفَّ، فأشار إليهم أن يَمْكُثوا كما هم، وأرْخَى السِّتارة، وكان آخرَ العهدِ به، ، فلما انصرفَ أبو بكرٍ، ، من الصلاةِ دَخَلَ عليه، وقال لعائشة: ما أرى رسولَ اللَّه إِلَّا قد أقْلَع عنه الوجعُ، وهذا يومُ بنتِ خارجة -يعني إحدى زوجتيه- وكانت ساكنةً بالسُّنْحِ شَرْقيَّ المدينةِ، فركبَ على فرسٍ له وذَهَبَ إلى منزله، وتُوُفِّي رسولُ اللَّه . حين اشتدَّ الضُّحَى من ذلك اليوم. وقيل: عندَ زوالِ الشمسِ. واللَّه أعلم.

فلمّا ماتَ واختلفَ الصحابةُ فيما بينهم، فمِنْ قائلٍ يقول: مات رسول اللَّه ومن قائلٍ: لم يَمُتْ. فذهب سالمُ بن عُبَيْد وراءَ الصّدّيقِ إلى السُّنّح، فأعْلَمه بموتِ رسولِ اللَّه ، فجاءَ الصّدّيقُ من منزله حينَ بَلَغَه الخبر، فدخل على رسول اللَّه منزلَه، وكَشَفَ الغِطاءَ عن وجهه وقبَّله، وتَحَقَّق أنه قد ماتَ، خرجَ إلى الناس فَخَطَبَهُمْ إلى جانب المنبر، وبيَّن لهم وفاةَ رسولِ اللَّه كما قَدَّمنا، وأزاح الجدالَ وأزال (٣) الإشكال ورجع الناسُ كلُّهم إليه، وبايعَه في المسجد جماعةٌ من الصَّحابة، ووقعت شُبْهَةٌ لبعضِ الأنصارِ، وقام في أذْهان بعضِهم جوازُ اسْتِخْلافِ خليفةٍ من الأنصارِ، وتوسَّطَ بعضُهم بين أن يكونَ أميرٌ


(١) دلائل النبوة للبيهقي ٧/ ٢١٩.
(٢) ط: (لم يسمون) خطأ.
(٣) ط: (وأزاح الجدل، أو زال).