للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

[فصل]

كان الحصار مستمرًا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبًا من سبعمئة، فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير (١) والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده وأن ينطلق إلى منزله، وعده من أعيان الصحابة وأبنائهم جمٌّ (غفير) وقال لرفيقه: من أغمد سيفه فهو حرٌّ. فبرد القتالُ من داخلٍ، وحمي من خارجٍ، واشتدَّ الأمرُ، وكان سببُ ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده، وشوقًا إلى رسول الله وليكن كخير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله (٢): ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٢٩] وروي أنّ آخرَ من خرجَ من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسنُ بن عليّ وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير .

وروى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن (عمر) لم يلبس سلاحه بعد رسول الله إلا يوم (الدار) ويوم نجدة الحروري.

قال أبو جعفر الرازي (٣)، عن أيوب السّختياني، عن نافع، عن ابن عمر: أن عثمان أصبح يحدّث الناس، قال: رأيت النبيَّ في المنام فقال: "يا عثمانُ أفطر عندنا" فأصبح صائمًا وقُتل من يومه.

وقال سيف بن عمر، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم، عن رجل قال: دخل عليه كثير بن الصلت فقال: يا أمير المؤمنين أخرجْ فاجلسْ بالفِناء فيرى (الناس) وجهَكَ فإنَّك إن فعلت ارتدعوا. فضحك وقال: يا كثير رأيت البارحة وكأنّي دخلتُ على نبي الله وعنده أبو بكر وعمر، فقال: "ارجع فإنَّك مُفْطرٌ عندي غدًا" ثم قال عثمان: ولن تغيب (الشمس) والله غدًا أو كذا وكذا إلا وأنا من أهل الآخرة قال: فوضع سعدٌ وأبو هريرة السلاحَ وأقبلا حتى دخلا على عثمان (٤).

وقال موسى بن عقبة: حدَّثني أبو علقمة -مولى لعبد الرحمن بن عوف- حدَّثني ابن الصَّلت قال: أغفى عثمانُ بن عفان في اليوم الذي قُتل فيه فاستيقظَ فقال: لولا أن يقول الناس تمنّى عثمان أمنيةً


(١) في أ: فيهم ابن عمر وابن الزبير.
(٢) في أ: قال له حيث أراد قتله.
(٣) في ط: الداري؛ تحريف، والتصويب من سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٤٦).
(٤) في أ: عمار؛ خطأ.