للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأرعى. فقلت: لا أرى بين يديك شيئًا إِلَّا الحجارة، فقال: أنظر خواطر قلبي، وأرعى أوامر ربي، وبحق الذي أظهرك عليَّ إِلَّا جزتَ عني (١). فقلت: كلِّمني بشيءٍ أنتفع به حتى أمضي. فقال لي: من لَزِمَ البابَ أُثبت في الخدم، ومن أكثر ذكر الذنوب (٢) أكثر الندم، ومن استغنى بالله أمِنَ العدم. ثم تركني ومضى (٣).

وعن الشيخ أبي صالح: مكثتُ ستة أو سبعة أيام لم آكل ولم أشرب، ولحقني عطشٌ عظيم، فجئت النهرَ الذي وراء المسجد، فجلست أنظر إلى الماء، فتذكَّرْتُ قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] فذهب عني العطش، فمكثت تمام العشرة أيام (٤).

وعنه قال: مكثت أربعين يومًا لم أشرب ماءً، فلقيني الشيخ أبو بكر محمد بن سيد حمدويه، فأخذ بيدي فأدخلني منزله وجاء بماء، وقال لي: اشرب. فشربت، فأخذ فضلتي، وذهب إلى امرأته فقال لها: اشربي فَضْلَ رجلٍ قد مكث أربعين يومًا لم يشرب الماء. قال أبو صالح: ولم يكن اطلع على ذلك مني أحدٌ إِلَّا اللّه ﷿ (٥).

ومن كلام أبي صالح: الدُّنيا حرامٌ على القلوب حلال على النفوس؛ لأن كل شيء يحل لك أن تنظر [إليه] بعين رأسك، فيحرم عليك أن تنظر [إليه] بعين قلب (٦).

وكان يقول: البدن لباس القلب، والقلب لباسُ الفؤاد، والفؤاد لباس الضَّمير، والضَّمير لباس السِّرِّ، والسِّرُّ لباسُ المعرفة.

ولأبي صالح مناقبُ كثيرةٌ وأكرم مثواه، وقد كانت وفاته في جُمادى الأولى من هذه السنة.

[ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين وثلاثمئة]

في هذه السنة دخل سيف الدولة إلى واسط، وقد انهزم عنها أبو عبد الله البريدي وأخوه أبو الحسين، فاختلف التُّرْك على سيف الدولة، ومالوا إلى توزون، وهمَّ بالقيض على سيف الدولة، فهرب منهم


(١) في (ط): وبالذي أطلعك علي إِلَّا صرفت بصرك عني.
(٢) في (ط): الموت.
(٣) تاريخ ابن عساكر" (س) (خ): ٤١ أ.
(٤) "تاريخ ابن عساكر" (خ): ١٤١.
(٥) "تاريخ ابن عساكر" (خ) ٤١ أ - ٤١ ب.
(٦) المصدر السالف، وما بين حاصرتين منه.

<<  <  ج: ص:  >  >>