للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عقد عليها المأمون بفم الصلح سنة ثنتين ومئتين، ولها عشر سنين، فنثر أبوها على الناس يومئذٍ بنادقَ المسك، مكتوبٌ في ورقة وسط كُلِّ بندقة اسمُ قريةٍ، أو مُلْكٌ، أو جارية، أو غلام، أو فرس، فمن التقط من ذلك شيئًا ملكه، ونثر على عامَّة الناس الدنانير ونَوافج (١) المسك وبَيْض العنبر. وأنفق على المأمون وعسكره مدة مقامه تلك الأيام خمسين ألف ألف درهم. فلما ترحَّل [المأمون] (٢) عنه أطلق له عشرة آلاف ألف درهم، وأقطعه فم الصلح.

وبنى بها في سنة عشر (٣).

فلما جلس المأمون فرشوا له حصيرًا من ذهبٍ، ونثروا على قدميه ألفَ حبّةِ جوهر، وهناك تَوْرٌ (٤) من ذهب فيه شمعة من عنبرٍ، زنة أربعين مَنًّا من عنبر، فقال: هذا سَرَفٌ، ونظر إلى ذلك الحب على الحصر يضيء، فقال: قاتَلَ اللهُ أبا نُوَاس حيث يقول في صفة الخمر (٥):

كأنَّ صُغْرَى وكُبْرَى مِنْ فَقاقِعِها … حَصْباءُ دُرٍّ على أرْضٍ مِنَ الذَّهَبِ

ثم أمر بالدُّرِّ فجُمع فوضع في حجرها، وقال: هذا نِحْلَةٌ (٦) منِّي لكِ، وسلي حاجتك.

فقالت لها جدتها: سلي سيدك، فقد استنطقك.

فقالت: أسألُ أميرَ المؤمنين أن يرضى عن إبراهيم بن المهديّ، فرضي عنه.

ثم أراد الاجتماع بها فإذا هي حائض، وكان ذلك في شهر رمضان. ثم توفي المأمون في سنة ثماني عشرة ومئتين، وتأخَّرت هي بعده حتى كانت وفاتها في هذه السنة، ولها ثمانون سنة.

[ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومئتين]

في جُمادى الأولى منها سار نائب قزوين وهو أذكوتكين في أربعة آلاف مقاتل، إلى محمد بن زيد العلويّ، صاحب طَبَرستان بعد أخيه الحسن بن زيد، وهو بالرَّيّ، في جيشٍ عظيم من الدَّيلم وغيرهم، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فهزمه أذكوتكين (٧)، وغنم ما في معسكره، وقتَلَ من أصحابه ستة


(١) "النوافج": جمع نافِجة، وهي وعاء المسك في جسم الظبي.
(٢) زيادة من ط.
(٣) راجع حوادث سنة (٢٠٢) وسنة (٢١٠).
(٤) "التَّوْر": إناء يشرب فيه.
(٥) ديوان أبي نواس، المطبعة العمومية ص (٢٤٣).
(٦) "النِّحْلَة": العطية.
(٧) في آ: أزلرتكين.

<<  <  ج: ص:  >  >>