للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فاستوهَبَها من يحيى بن خالد، فوَهَبها له، وحَظيتْ عندَه؛ ومكثتْ عنده ثلاث سنين، ثم تُوفيت. فحَزِنَ عليها حُزنًا شديدًا، ورثاها، وكان من قوله فيها:

قد قلتُ لمَّا ضَمَّنوكِ الثَّرَى … وجالتِ الحَسْرَةُ في صَدري

اذْهَبْ فلاقِ اللَّه لا سَرَّني … بَعْدَكِ شيءٌ آخرَ الدَّهْرِ (١)

وقال العباس بنُ الأحنف في موتِها:

يا من تباشرتِ القبورُ بمَوتها … قَصَدَ الزمانُ مساءتي فرَمَاكِ

أبغي الأنيسَ فما أرى لي مؤنسًا … إلَّا التردُّدَ حيثُ كنتُ أراكِ

مَلِكٌ بكاكِ فطالَ بعدَكِ حُزْنُهُ … لو يستطيعُ بِمُلْكِهِ لَفَدَاكِ

يَحْمي الفؤادَ عن النساءَ حَفِيظةً … كي لا يَحِلَّ حِمَى الفؤادِ سواكِ (٢)

قال: فأمر له الرشيدُ بأربعين ألفًا، لكلِّ بيتٍ عشرةُ آلاف. فاللَّه أعلم.

[ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئة من الهجرة النبوية]

فيها وقعَتْ عصبيَّةٌ بالشام وتَخبيطٌ من أهلِها. وفيها استقضى الرشيدُ يوسُفَ بنَ أبي يوسف وأبوهُ حيّ. وفيها غزا الصائفة عبدُ الملك بن صالح، فدخل بلادَ الروم. وفيها حجَّ بالناس الرشيدُ، فلما اقترب من مكة بلَغَهُ أنَّ فيها وباءً فلم يدخلْ مكة حتى كان وقتُ الوقوف؛ فوقف، ثم جاء الْمُزْدَلِفَةَ ثم مِنَى، ثم دخل مكة، فطافَ وسَعَى، ثم ارْتَحَلَ ولم يَنْزِلْ بها.

[ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة]

فيها أخذ الرشيدُ بولايةِ العهدِ من بعد لوَلَدِهِ محمد بن زُبَيْدَة، وسَمَّاهُ الأمين، وعمرُهُ إذْ ذاكَ خمسُ سنين؛ فقال في ذلك سَلْمٌ الخاسر:

قد وفَّقَ اللَّه الخليفةَ إذْ بَنَى … بيتَ الخلافةِ للهِجَانِ الأزْهَرِ

فهو الخليفةُ عن أبيه وجَدِّهِ … شَهِدَا عليه بمَنْظَرٍ وبمَخْبَرِ

قد بايعَ الثقلانِ في مَهْدِ الهُدَى … لمحمدِ بنِ زُبَيْدَةَ ابنةِ جَعْفرِ (٣)


(١) البيتان في تاريخ بغداد (١/ ٩٨)، والمنتظم (٨/ ٣٥٢).
(٢) الأبيات في تاريخ بغداد (١/ ٩٨) والمنتظم (٨/ ٣٥٢، ٣٥٣). وقد سقط من (ق) البيتان الثالث والرابع، وهما في (ح).
(٣) الأبيات في تاريخ الخلفاء ص (٢٩١) وفيه: "قد بايع الثقلان مهديَّ الهدى".

<<  <  ج: ص:  >  >>