للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لعنكم الله، قتلتموه والله لنقتلن كلّنا. ثم ركب ووقف عند دار الخلافة حتى لا تنهب، وهرب عبد الواحد بن المقتدر وهارون بن غريب، وابنا رائق إلى المدائن، وكان صنيع مؤنس هذا سببًا لطمع أصحاب الأطراف في الخلفاء، وضَعْفِ أمْرِ الخلافة جدًّا، مع ما كان المقتدر يعتمده من التبذير والتفريط في الأموال، وطاعة النساء، وعَزْلِ الوزراء؛ حتى قيل: إن جُمْلَة ما صرفه في الوجوه الفاسدة والتبذير ما يقارب ثمانين ألف ألف دينار.

وهذه ترجمة المقتدر بالله أمير المؤمنين (١)

هو جعفر أمير المؤمنين المقتدر بالله بن المعتضد بالله أحمد بن أبي أحمد المُوَفَّق بن جعفر المتوكل [على الله] (٢) بن محمد المعتصم بن هارون الرَّشيد بن محمد المهدي بن عبد الله أبي جعفر المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، يكنَّى أبا الفضل العَبَّاسي.

مولده في ليلة الجمعة لثمانٍ بقين من رمضان سنة ثنتين وثمانين ومئتين، وأمه أمُّ ولدٍ اسمها شَغَب، ولقِّبَتْ في خِلافة ولدها بالسيدة.

وبويع له بالخلافة بعد أخيه المكتفي، يوم الأحد لأربع عشرة مَضَتْ من ذي القَعْدة من سنة خمس وتسعين ومئتين، وهو يومئذٍ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر وأيام. ولهذا أراد الجُنْدُ خَلْعَه في ربيع الأول من سنة ست وتسعين محتجين بصغره وعدم بُلُوغه، وتولية عبد الله بن المعتز، فلم يتمَّ ذلك، وانتقض الأمر في ثاني يوم كما ذكرنا (٣). ثم لما كان شهر المحرم من سنة سبع عشرة وثلاثمئة أحضره مؤنس واجتمع الأمراء والقواد، وألزموه بخلع نفسه، وأحضروا أخاه محمد بن المعتضد، فبايعوه بالخلافة، ولقبوه القاهر، فلم يتمَّ ذلك سوى يومين، ثم رجع المقتدر إلى الخلافة كما ذكرنا (٤).

وقد كان المقتدر بالله رَبْعةً من الرجال، حسن الوجه والعينين، بعيد ما بين المنكبين، حسن الشَّعْر، مدوَّر الوجه، مُشْرب اللون، حَسَن الخَلْق، قد شاب رأسه وعارضاه، وقد كان كريمًا جوادًا ممدَّحًا، له عقل جيد، وفهم وافر، وذِهْنٌ صحيح، وقد كان كثيرَ التحجب والتوسُّع في النَّفقات، وزاد في رُسوم الخلافة وأمور الرياسة، وما زاد شيءٌ إلا نَقَصَ. كان في داره أحدَ عشر


(١) مروج الذهب (٢/ ٥٠١) تاريخ بغداد (٧/ ٢١٣ - ٢١٩) المنتظم (٦/ ٢٤٣ - ٢٤٤) الكامل (٨/ ٨) وما بعدها، النبراس (٩٥ - ١٨٣) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤٣ - ٥٦) العبر (٢/ ١٨١ - ١٨٢) تاريخ الخلفاء (٣٧٨ - ٣٨٦).
(٢) ما بين حاصرتين من (ط).
(٣) انظر حوادث سنة (٢٩٦ هـ) من هذا الكتاب.
(٤) انظر أحداث سنة (٣١٧ هـ).

<<  <  ج: ص:  >  >>