للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

[ثم دخلت سنة ثنتي عشرة وثلاثمئة]

في المحرَّم من هذه السنة اعترض القِرْمِطِي أبو طاهر سليمان (١) بن أبي سعيد الجَنَّابي - لعنه اللّه، ولعن أباه - الحجيج وهم راجعون من بيت اللّه الحرام، قد أدَّوا فَرْضَ اللّه عليهم، فقطع عليهم الطريق، فقاتلوه دفعًا عن أموالهم وأنفسهم وحريمهم، فَقَتلَ منهم خلقًا كثيرًا لا يعلمهم إِلَّا اللّه ﷿، وأسر من نسائهم وأبنائهم ما اختاره، واصْطَفَى من أموالهم ما أراد، فكان مبلغ ما أخذه من الأموال ما يقاوم ألف ألف دينار، ومن الأمتعة والمتاجر نحو ذلك، وترك بقية الناس بعدما أخذ جِمَالهم وزادهم وأموالهم ونساءهم، وتركهم على بعد الديار في البرية بلا زادٍ ولا ماء ولا محمل. وقد حاجف (٢) عن الناس نائبُ الكوفة أبو الهيجاء عبد اللّه بن حَمْدان فقهره وأسره، فإنَّا للّه وإنا إليه راجعون، وكان عِدَّة منْ مع القِرْمِطِي ثمانمئة مقاتل، وعمره إذ ذاك سبع عشرة سنة، قصفه (٣) اللّه.

ولما انتهى خبرُهم إلى بغداد قام نساؤهم وأهاليهم في النِّياحة، ونَشَرْنَ شعورهن، ولَطَمْنَ خدودَهُنَّ (٤) في الأزِقَّة، وانضاف إليهن نساء الذين نُكبوا على يدي الوزير ابن الفرات، فكان ببغداد يوم مشهود بسبب ذلك في غاية الفظاعة والشَّنَاعة، ولما سأل الخليفة عن الخبر ذُكِرَ له أن هذه نسوة الحجيج ومعهن نساء الذين صادرهم ابنُ الفُرَات، وجاءت يد (٥) الحاجب نصر القشوري على الوزير فقال: يا أمير المؤمنين، إنما استوى هذا للقِرْمِطِي (٦) بسبب إبعادك المظفر مؤنس الخادم، فَطَمعَ هؤلاء في الأطراف، وما أشار عليك بإبعاده إِلَّا ابنُ الفُرَات، وبعث الخليفة المقتدر إلى الوزير ابن الفرات يقول له: إن الناس يتكلمون فيك لِنُصْحكَ إياي. وأرسل يطيِّب قلبه، فركب هو وولده إلى الخليفة فدخلا عليه، فأكرمهما، وطيَّب قلوبهما، وخرجا مِنْ عنده، فنالهما أذىً كثير مِنْ نصر الحاجب وغيره من كبار الأمراء، وجلس الوزير في دَسْته، فحكم بين النَّاس على عادته، وبات ليلته تلك مفكِّرًا في أمره، وأصبح كذلك وهو ينشد:

فأصْبَحَ لا يَدْري وإنْ كان حازِمًا .... أقُدَّامُهُ خيرٌ لهُ أم وراؤه


(١) في (ح) و (ظا) و (ب) و (ط)، الحسين، وهو تحريف.
(٢) في (ط) جاحف، وهو تصحيف، وحاجف: أي دافع. اللسان (حجف).
(٣) في (ط) قصمه.
(٤) في (ح) و (ظا): وجوههن.
(٥) في (ط): على يد.
(٦) في (ط): إنما استولى هذا القرمطي على ما استولى عليه ..

<<  <  ج: ص:  >  >>