للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فامْتَنَعَ من ذلك، فلامَهُ بعضُ النَّاس في ذلك فقال: تركت هذا لِما فيه من آيات اللَّه تعالى. فاتفق بعد هذا أنَّ جارية غنَّتْ بحضرة الواثق:

أظَلُومُ إنَّ مُصَابَكُمْ رَجُلًا … ردُّ السَّلامِ تَحِيَّةً ظُلْمُ

فاختلف مَن بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون "رجلًا" مرفوعًا أو منصوبًا، وبم نصَبَ؟ أهو اسم "إنَّ" أم ماذا؟ وأصزَت الجارية على أنَّ المازنيَّ حفظها هكذا. قال: فأرسلَ الخليفة إليه، فلمَّا مَثَل بين يديه، قال له: أنتَ المازنيُّ؟ قال: نعم. قال: من مازن تميم، أم من مازن ربيعة؟ أم من مازن قيس؟ قلت: من مازن ربيعة. قال: فأخذ يكلِّمُني بلغتي، فقال: باسْمُك؟ وهم يقولون (١) الباء ميمًا والميم باءً، فكرهت أنْ أقولَ مكر، فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المَكْرِ، وعرَفَ ما أردْتُ. فقال: على (٢) ما انتصبَ رجلًا؟ فقلت: لأنَّه معمولُ المصدر "مصابكم". فأخذ اليزيديُّ يعارضه، فعلاه المازني بالحُجَّةِ، فأطلق له الخليفةُ ألفَ دينارٍ وردَّه إلى أهله مكرَّمًا، وعوَّضه اللَّه عن المئة الدينار.

وروى المبرِّدُ عنه، قال: أقرأتُ رجلًا كتابَ سيبويه إلى آخره، فلمَّا انتهى، قال لي: أمَّا أنت فجزاكَ اللَّهُ خيرًا، وأمَّا أنا فواللَّه ما فهِمْتُ منه حرفًا.

توفي المازنيُّ في هذه السنة، وقيل: في سنة ثمان وأربعين ومئتين. [وأغرب من قال: سنة ست وثلاثين، فاللَّه أعلم] (٣).

[ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئتين]

فيها: أغزى المنتصرُ وصيفًا التركيّ غزو الصائفة لقتال الروم، وذلك أنَّ ملك الروم قصدَ بلاد الشام، وجهز معه جيشًا كثيفًا ورجالًا وعددًا، وأمر له بنفقاتٍ كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيمَ بالثَّغْر أربعَ سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر نائب العراق كتابًا عظيمًا (٤)، فيه آيات كثيرة، في التَّحريض على القتال والترغيب فيه.

وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر من هذه السنة المباركة خلع أبو عبد اللَّه محمد المعتز، والمؤيد إبراهيم أخوا أمير المؤمنين وليا العهد، أنفسَهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنَّهما عاجزان عن


(١) كذا في النسخ، وفي ط: يقلبون.
(٢) سقطت من ب، ظا.
(٣) زيادة من ب، ظا.
(٤) نصه في الطبري (٩/ ٢٤١ - ٢٤٣).

<<  <  ج: ص:  >  >>