للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ضَرْعَها، ودعا حتى أنزلت، وجاء أبو بكر بِمِجَنّ، فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب. فقال الراعي: باللَّه من أنت؟ فواللَّه ما رأيتُ مثلك قط. قال: "أو تراك تكتمُ عليَّ حتى أخبرك؟ " قال: نعم. قال: "فإني محمدٌ رسولُ اللَّه" فقال: أنت الذي تزعم قريشٌ أنه صابئ؟ قال: "إنهم ليقولون ذلك" قال: فأشهد أنك نبيّ، وأشهد أنَّ ما جئت به حَقّ، وأنه لا يفعل ما فعلتَ إلا نبيّ، وأنا مُتَّبعُك. قال: "إنك لا تستطيعُ ذلك يومك هذا، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتِنا" ورواه أبو يعلى المَوْصلي (١) عن جعفر بن حُميد الكوفي عن عبد اللَّه بن إياد بن لَقِيط به.

وقد ذكر أبو نعيم هاهنا (٢) قصة عبد اللَّه بن مسعود فقال: حدَّثنا عبد اللَّه بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود (٣)، حدثنا حمَّاد بن سلمة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبد اللَّه بن مسعود قال: كنتُ غلامًا يافعًا أرْعَى غنمًا لعقبة بن أبي مُعَيط بمكة، فأتى رسولُ اللَّه وأبو بكر -وقد فرَّا من المشركينِ- فقال: "يا غلام، عندك لبنٌ تَسْقِينا؟ " فقلت: إني مؤتَمن ولستُ بساقيكما، فقالا: هل عندك من جَذعة لم ينْزُ عليها الفحلُ بعد؟ قلت: نعم فأتيتهُما بها، فاعتقلها أبو بكر وأخذ رسولُ اللَّه الضَّرْع، فدعا فحفَل الضَّرْع، وجاء أبو بكر بصخرة منقعرة (٤) فحلب فيها. ثم شرب هو وأبو بكر وسقياني، ثم قال للضرع: "اقْلِصْ" فقلَصَ. فلما كان بعدُ (٥) أتيتُ رسولَ اللَّه فقلت: علِّمني من هذا القول الطيِّب -يعني القرآن- فقال رسولُ اللَّه : "إنَّك غلامٌ مُعَلَّم" فأخذت من فيه سبعين سورةً ما يُنازعني فيها أحد.

فقوله في هذا السياق وقد فرَّا من المشركين ليس المرادُ منه وقتَ الهجرة، إنما ذلك في بعضِ الأحوال قبل الهجرة. فإنَّ ابنَ مسعود ممن أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة ورجع إلى مكة كما تقدَّم، وقصتُه هذه صحيحة ثابتةٌ في الصحاح وغيرِها. واللَّه أعلم.

وقال عبد اللَّه ابن الإمام أحمد (٦): حدثنا مصعب بن عبد اللَّه (٧) -هو الزُّبيري- حدثني أبي، عن فائد


(١) ذكره السيوطي في الخصائص فقال: أخرج أبو يعلى والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي وأبو نعيم عن قيس بن النعمان. . . فذكره. وهو في مسند أبي يعلى رقم (٥٣١١) من حديث ابن مسعود.
(٢) في دلائل النبوة (٢٣٣) وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٤٧٩) عن أبي بكر بن عياش عن عاصم به وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١١٨٥٠) عن عفان عن حماد به، وأخرجه أيضًا الطبراني في الكبير (٨٤٥٥) عن علي بن عبد العزيز وأبي مسلم الكش عن حجاج بن المنهال عن حماد به؛ وأخرجه البيهقي في الدلائل (٢/ ١٧١) عن أبي بكر بن فورك عن عبد اللَّه بن جعفر به.
(٣) يعني الطيالسي في مسنده (٣٥٣).
(٤) في المصنف لابن أبي شيبة: منقعرة - أو منقرة، وفي معجم الطبراني: مقعرة.
(٥) في دلائل أبي نعيم: الغد.
(٦) في ح: "وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد اللَّه" ولا يصح البتة، وما أثبتناه هو الصواب، فالحديث من زيادة عبد اللَّه على مسند أبيه (٤/ ٧٤)، وإسناده ضعيف لضعف عبد اللَّه بن مصعب الزبيري.
(٧) في ط، ح: عبد اللَّه بن مصعب. تصحيف، والمثبت من مسند أحمد.