للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

قال ابن إسحاق (١): ولمَّا انهزم الناس تكلَّم رجالٌ من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضِّغن، فقال أبو سفيان صخر بن حربٍ - وكان إسلامه بعدُ مدخولًا، وكانت الأزلام معه يومئذٍ -: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وصرخ كلدة بن الحنبل، وهو مع أخيه صفوان بن أمية - يعني لأمِّه - وهو مشركٌ في المدة التي جعل له رسول الله : ألا بطل السِّحر اليوم. فقال له صفوان: اسكت، فضَّ الله فاك، فوالله لأن يرُبَّني رجلٌ من قريشٍ أحبُّ إليَّ من أن يربَّني رجلٌ من هوازن.

وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا عَفَّان بن مسلم، ثنا حَمَّاد بن سلمة، أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكٍ أن هوازن جاءت يوم حنينٍ بالنساء والصبيان والإبل والغنم، فجعلوها صفوفًا يكثّرون على رسول الله ، فلما التقوا ولَّى المسلمون مدبرين كما قال الله تعالى، فقال رسول الله : "يا عباد الله، أنا عبد الله ورسوله". ثم قال: "يا معشر الأنصار، أنا عبد الله ورسوله". قال: فهزم الله المشركين، ولم يُضرب بسيفٍ ولم يطعن برمحٍ. قال: وقال رسول الله يومئذٍ: "من قتل كافرًا فله سلبه". قال: فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم. وقال أبو قتادة: يا رسول الله، إني ضربت رجلًا على حبل العاتق وعليه درعٌ له، فأُجهضت عنه، فانظر من أخذها. قال: فقام رجلٌ فقال: أنا أخذتها، فأرضه منها وأعطنيها. قال: وكان رسول الله لا يُسأل شيئًا إلا أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله ، فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أَسدٍ من أُسد الله ويعطيكها. فقال رسول الله : "صدق عمر". قال: ولقي أبو طلحة أمَّ سليم ومعها خَنجرٌ، فقال أبو طلحة: ما هذا؟ فقالت: إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: أما تسمع ما تقول أمُّ سليمٍ؟ فضحك رسول الله ، فقالت: يا رسول الله، - اقتلُ من بعدنا من الطُّلقاء؛ انهزموا بك. فقال: "إن الله قد كفى وأحسن يا أمَّ سليمٍ".

وقد روى مسلمٌ (٣) منه قصة خَنْجَر أمِّ سليمٍ، وأبو داود (٤) قوله: "من قتل قتيلًا فله سلبه". كلاهما من حديث حماد بن سلمة به. وقول عمر في هذا مستغربٌ، والمشهور أن ذلك أبو بكرٍ الصديق.

وقال الإمام أحمد (٥): حدَّثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا أبي، ثنا نافع أبو غالبٍ، شهد أنس بن ماللث قال: فقال العلاء بن زيادٍ العدويُّ: يا أبا حمزة، بسنِّ أيِّ الرجال كان رسول الله إذ بُعث؟ فقال: ابن أربعين سنةً. قال: ثم كان ماذا؟ قال: ثم كان بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين،


(١) انظر "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٤٤٣).
(٢) في "مسنده" (٣/ ٢٧٩)، وإسناده صحيح.
(٣) في "صحيحه" رقم (١٨٠٩).
(٤) في "سننه" رقم (٢٧١٨).
(٥) رواه أحمد في "المسند" (٣/ ١٥١)، وإسناده صحيح.