للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رسول الله، ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي قال رسول الله ، فلم ألبث إلا سُوَيعةً إذ سمعت بلالًا ينادي: أين عبد الله بن قيسٍ؟ فأجبته فقال: أجب، رسولُ الله يدعوك. فلمَّا أتيت رسول الله قال: "خذ هذين القرينين وهذين القرينين وهذين القرينين". لستة أبعرةٍ ابتاعهنَّ حينئذٍ من سعدٍ، فقال: "انطلق بهنَّ إلى أصحابك، فقل: إن الله -أو قال: إنَّ رسول الله- يحملكم على هؤلاء، فاركبوهم" فقلتُ: إن رسول الله يحملكم على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله حين سألته لكم، ومنعه لي في أول مرةٍ، ثم إعطاءه اباي بعد ذلك، لا تظنُّوا أنِّىِ حدَّثتكم شيئًا لم يقله. فقالوا لي: والله إنَّك عندنا لمصدَّقٌ ولنفعلنَّ ما أحببت. قال: فانطلق أبو موسى بنفرٍ منهم، حتى أتوا الذين سمعوا مقالة رسول الله من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدَّثوهم بما حدَّثهم به أبو موسى سواءً. وأخرجه البخاريُّ ومسلمٌ (١) جميعًا، عن أبي كريبٍ، عن أبي أسامة. وفي روايةٍ لهما (٢)، عن أبي موسى قال: أتيت رسول الله في رهطٍ من الأشعريِّين ليحملنا، فقال: "والله ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه". قال: ثم جيء رسولُ الله بنهب إبلٍ، فأمر لنا بستِّ ذودٍ غرٍّ الذُّرى، فأخذناها، ثم قلنا: تغفَّلنا رسول الله يمينه، والله لا يبارك لنا. فرجعنا له فقال: "ما أنا حملتكم، ولكنَّ الله حملكم". ثم قال: "إنِّي والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خيرٌ وتحلَّلتها".

قال ابن إسحاق (٣): وقد كان نفرٌ من المسلمين أبطأتْ بهم النِّيَّة حتى تخلَّفوا عن رسول الله من غير شكٍّ ولا ارتيابٍ؛ منهم كعب بن مالك بن أبي كعبٍ أخو بني سلِمة، ومرارة بن ربيعٍ أخو بني عمرو بن عوفٍ، وهلال بن أمية أخو بني واقفٍ، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوفٍ، وكانوا نفر صدقٍ لا يُتَّهمون في إسلامهم.

قلت: أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريبًا، إن شاء الله تعالى، وهم الذين أنزل الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ [التوبة: ١١٨].

وأما أبو خثيمة، فإنَّه عاد وعزم على اللُّحوق برسول الله ، كما سيأتي.

* * *


(١) رواه البخاري رقم (٤٤١٥) ومسلم (١٦٤٩) (٨).
(٢) رواه البخاري رقم (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩) (٧).
(٣) انظر "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥١٩).