للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

العسكر، فاتَّبعتها أنظر إليها. قال: فإذا رسول الله وأبو بكرٍ وعمر، وإذا عبد الله ذو البِجادين قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حفرته، وأبو بكرٍ وعمر يدلِّيانه إليه، وإذا هو يقول: "أدنيا إليَّ أخاكما". فدلَّياه إليه، فلمَّا هيَّأه لشقِّه قال: "اللهم إني قد أمسيت راضيًا عنه، فارض عنه". قال: يقول ابن مسعودٍ: يا ليتني كنت صاحب الحفرة.

قال ابن هشامٍ (١): إنَّما سمِّي ذا البِجادين، لأنَّه كان يريد الإسلام، فمنعه قومه وضيَّقوا عليه، حتى خرج من بينهم وليس عليه إلا بجادٌ، وهو الكساء الغليظ، فشقَّه باثنتين، فَأْتزر بواحدةٍ وارتدى بالأخرى، ثم أتى رسول الله ، فسمِّي ذا البِجادين.

قال ابن إسحاق (٢): وذكر ابن شهابٍ الزهريُّ، عن ابن أُكَيْمَة اللَّيثيِّ، عن ابن أخي أبي رُهمٍ الغفاريِّ، أنَّه سمع أبا رهم كلثوم بن الحصين، وكان من أصحاب الشجرة، يقول: غزوت مع رسول الله غزوة تبوك، فسرت ذات ليلةٍ معه ونحن بالأخضر، وألقى الله عليَّ النُّعاس، فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلة النبيِّ ، فيُفزعني دنوُّها منه؛ مخافة أن أُصيب رجله في الغرز، فطفقت أحوز راحلتي عنه، حتى غلبتني عيني في بعض الطريق، فزاحمت راحلتي راحلته ورجله في الغرز، فلم أستيقظ إلا بقوله: "حسِّ". فقلت: يا رسول الله، استغفر لي. قال: "سر". فجعل رسول الله يسألني عمَّن تخلَّف عنه من بني غفارٍ، فأُخبره به، فقال وهو يسألني: "ما فعل النَّفر الحُمر الطِّوال الثِّطاط الذين لا شعر في وجوههم؟ " فحدَّثته بتخلُّفهم، قال: "فما فعل النفَر السُّود الجعاد القصار؟ " قال: قلت: والله ما أعرف هؤلاء منّا. قال: "بلى، الذين لهم نَعَمٌ بشبكة شَدَخٍ". فتذكَّرتهم في بني غفارٍ، فلم أذكرهم، حتى ذكرت أنَّهم رهطٌ من أسلم كانوا حلفاء فينا، فقلت: يا رسول الله، أولئك رهطٌ منٍ أسلم حلفاء فينا. فقال رسول الله : "ما منع أحد أولئك حين تخلَّف أن يحمل على بعيرٍ من إبله امرأً نشيطًا في سبيل الله؟ إنَّ أعزَّ أهلي عليَّ أن يتخلَّف عني؛ المهاجرون والأنصار وغفارٌ وأسلم".

وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير قال: لمَّا قفل رسول الله من تبوك إلى المدينة، همَّ جماعةٌ من المنافقين بالفتك به، وأن يطرحوه من رأس عَقَبةٍ في الطريق، فأخبر بخبرهم، فأمر الناس بالمسير من الوادي، وصعِد هو العقبة، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثَّموا، وأمر رسول الله عمار بن ياسرٍ وحُذَيفة بن اليمان أن يمشيا معه، عمارٌ آخذ بزمام الناقة، وحُذَيفة يسوقها، فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم، فغضب رسول الله ، وأبصر حذيفة غضبه، فرجع إليهم ومعه محجنٌ، فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه، فلما رأوا حذيفة ظنُّوا أن قد أظهر على


(١) انظر "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٢٧).
(٢) انظر "السيرة النبوية" لابن هشام (٢/ ٥٢٨).