للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أبغضَ إليّ من بلدك، فأصبح بلدُكَ أحبَّ البلاد إليّ، وإن خيلَكَ أخذتني وأنا أريدُ العمرةَ، فماذا ترى؟ فبشَّرهُ رسولُ الله وأمره أن يَعْتَمِرَ، فلمّا قدمَ مكةَ قال له قائلٌ: أصبوت؟ قال: لا، ولكن أسلمتُ مع محمد ، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ حتى يأذن فيها النبي .

وقد رواه البخاري في موضع آخر (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤)، كلهم عن قُتيبة، عن الليث به.

وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر، وذلك أنّ ثمامة لم يَفِدْ بنفسه، وإنما أُسر، وقُدم به في الوثاق، فرُبط بساريةٍ من سواري المسجد؛ ثم في ذِكْرِهِ مع الوفود سنةَ تسعٍ نظرٌ آخرُ، وذلك أنَّ الظاهر من سياق قصَّتِه أنها قُبيل الفتح، لأن أهل مكة عَيَّروه بالإسلام، وقالوا: أصبوتَ؟ فتوعَّدهم بأنه لا يفدُ إليهم من اليمامة حبةُ حنطةٍ ميرةً، حتى يأذنَ فيها رسول الله ، فدلَّ على أنَّ مكةَ كانت إذ ذاك دارَ حربٍ، لم يُسلم أهلُها بعدُ. والله أعلم.

ولهذا ذكر الحافظ البيهقي (٥) قصةَ ثُمامة بن أُثال قبل فتح (٦) مكة، وهو أشبه، ولكن ذكرناه ها هنا اتِّباعًا للبخاري .

وقال البخاري (٧): حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين، حدّثنا نافع بن جبير، عن ابن عباس، قال: قدم مُسيلمة الكذابُ على عهد رسول الله فجعل يقول: إن جَعَل لي محمدٌ الأمرَ من بعده اتبعته، وقدِمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله ، ومعه ثابتُ بن قيس بن شمّاس، وفي يد رسول الله قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه. فقال له: "لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدوَ أمرَ اللهِ فيك، ولئن أدبرتَ ليعقرنَّك اللهُ، وإني لأُراكَ الذي أُريت فيه ما رأيتُ (٨)، وهذا ثابت يجيبك عني" ثم انصرف عنه. قال ابن عباس: فسألت عن قول رسول الله : "إنَّكَ أرى الذي أريت فيه ما رأيت" (٩) فأخبرني أبو هريرة، أنّ رسول الله قال: "بينا أنا نائم، رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب، فأهمني شأنهما، فأُوحي إليَّ في المنام أن انفُخْهُما،


(١) البخاري رقم (٤٦٩) في المساجد، باب دخول المشرك المسجد.
(٢) صحيح مسلم رقم ١٧٦٤ في الجهاد.
(٣) سنن أبي داود رقم ٢٦٧٩ في الجهاد.
(٤) سنن النسائي (١/ ٤٦) في المساجد و (١/ ١١٠) في الطهارة.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٧٨ - ٨١).
(٦) ليس اللفظ في المطبوعة.
(٧) صحيح البخاري (٤٣٧٣).
(٨) في أ "رأيت فيه ما رأيت" وفي ط: (رأيت فيه ما أُريت) وأثبتنا ما في البخاري.
(٩) في أ "إنك الذي أريت فيه ما أريت" وفي ط "إنك الذي رأيت فيه ما أريت" وأثبتنا ما في البخاري.