للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

هلال -هو ابن خَبّاب- عن عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ النبىَّ دخلَ عليه عمر، وهو على حَصيرٍ قد أثَّر في جَنْبه، فقال: يا نبيَّ الله لو اتخذتَ فِراشاً أوْثَرَ من هذا؟ فقال: "ما لي وللدنيا، ما مثلي ومثلُ الدُّنْيا إلا كراكبٍ سار في يوم صائِفٍ، فاستظَلَّ تحتَ شجرةٍ ساعةً من نهارٍ، ثم راح وتركها". تَفَرَّدَ به أحمدُ، وإسنادُه جيدٌ، وله شاهدُ (١) من حديثِ ابنِ عباس، عن عمر في المرأتين اللتين تَظاهَرَتا على رسول الله ، وقصة الإيلاء. وسيأتي الحديثُ مع غيره مما شاكله في بيان زُهْدِه ، وتركه الدنيا، وإعراضه عنها، واطراحه لها، وهو مما يدل على ما قلناه من أنه ، لم تكن الدنيا عندَه ببالٍ.

وقال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا سفيان، ثنا عبد العزيز بن رُفَيْع، قال: دخلتُ أنا وشَدّاد بن مَعْقِلٍ، على ابن عباس، فقال ابن عباس: ما ترك رسول الله إلا ما بينَ هذين الَّلوحَيْن. قال: ودخلنا على محمد بن علي فقال مثل ذلك. وهكذا رواه البخاري (٣)، عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة به.

وقال البخاري (٤): حدَّثنا أبو نعيم، ثنا مالك بن مِغْوَلٍ، عن طلحة، قال: سألتُ عبدَ الله بن أبي أوفى: أأوْصَى النبىُّ ؟ فقال: لا. فقلت: كيف كُتب على النّاس الوصيّةُ، اْو أُمِروا بها؟ قال: أوْصَى بكتابِ اللهِ ﷿. وقد رواه البخاريُّ أيضًا ومسلمٌ، وأهلُ السُّنن إلا أبا داود (٥) من طرق، عن مالك بن مِغْول به. وقال الترمذي: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مِغْولٍ.

تنبيه: قد وَرَدَتْ أحاديثُ كثيرةٌ سنوردُها قريباً بعد هذا الفصل في ذكر أشياء كان يختصُّ بها، صلوات الله وسلامه عليه، في حياته، من دُورٍ ومساكنِ نسائه، وإماءٍ وعبيد، وخيول وإبل، وغنم وسلاح، وبَغْلةٍ وحمار، وثياب وأثاث، وخاتم، وغير ذلك مما سنوضحه بطرقه ودلائله، فلعلَّه تَصَدَّقَ بكثير منها في حياته مُنْجزًا، وأعتق من أعتق من إمائه وعبيده، وأرصد ما أرْصَدَهُ من أمتعته، مع ما خَصَّه الله به من الأرضينَ من بني النَّضير وخيبر وَفَدَك، في مصالح المسلمين على ما سنبيّنه، إن شاء الله، إلا أنه لم يُخَلف من ذلك شيئًا (٦) يورث عنه قطعًا لما سنذكره قريبًا، وبالله المستعان.


(١) البخاري (٢٤٦٨، ٤٩١٣ - ٤٩١٥، ٥١٩١، ٥٨٤٣) ومسلم (١٤٧٩).
(٢) مسند الإمام أحمد (١/ ٢٢٠).
(٣) البخاري (٥٠١٩).
(٤) البخاري (٤٤٦٠).
(٥) البخاري (٢٧٤٠) ومسلم (١٦٣٤) والترمذي (٢١١٩) والنسائي (٣٦٢٢) وابن ماجه (٢٦٩٦).
(٦) ط: (ما).