للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

أمية. قال شيخنا: فيحتمل أنه وَهم في رفعه، وإنما يكون من كلام عبد اللَّه بن عمرو عن زاملتيه (١)، واللَّه أعلم.

قلتُ: لكن في المرسل الذي قبلَه، وفي حديثِ جابر أيضًا شاهدٌ له (٢)، واللَّه أعلم.

وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعرافْ ٧٩] إخبارٌ عن صالح أنَّه خاطبَ قومه بعد هَلاكهم، وقد أخذ في الذَّهَاب عن محلَّتهم إلى غيرها، قائلًا لهم: ﴿يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ٧٩]: أي جهدت في هدايتكم بكل ما أمكنني وحرصت على ذلك بقولي وفعلي ونيتي ﴿وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] أي: لم تكن سجاياكُم تَقْبَلُ الحق ولا تُريده، فلهذا صرتُم إلى ما أنتم فيه من العذاب الأليم المستمرّ بكم، المتصل إلى الأبد، وليس لي فيكم حيلة، ولا لي بالدفع عنكم يدان، والذي وجبَ عليّ من أداء الرسالة والنُّصْح لكم قد فعلتُه وبذلتُه لكم، ولكنَّ اللَّه يفعلُ ما يريد.

وهكذا خاطبَ النبيُّ أهل قَلِيْبِ بَدْرٍ بعد ثلاث ليالٍ، وقف عليهم، وقد ركبَ راحلتَه، وأمر بالرحيل من آخر الليل، فقال: "يا أهلَ القَليب! هل وجدتُم ما وعدَكم ربُّكم حَقًّا، فإني قد وجدتُ ما وَعدني ربِّي حقًا" وقال لهم فيما قال: "بئسَ عشيرةُ النبيِّ كُنتم لنبيِّكم، كذَّبتمُوني وصدَّقني النَّاسُ، وأخرجتموني وآواني النَّاسُ، وقاتلتمُوني ونَصرني النَّاسُ، فبئس عشيرةُ النبيِّ كنتُم لنبيِّكم" فقال له عمر: يا رسول اللَّه! تخاطبُ أقوامًا قد جيفوا؟ فقال: "والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يُجيبون" (٣). وسيأتي بيانُه في موضعه إن شاء اللَّه.

ويُقال: إنَّ صالحًا انتقلَ إلى حَرَمِ اللَّه فأقامَ به حتَّى ماتَ.

قال الإمام أحمد (٤): حدَّثنا وكيع، حدَّثنا زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لما مرَّ النبيُّ بوادي عُسْفان حينَ حجَّ، قال: "يا أبا بكر! أيّ وادٍ هذا؟ قال: وادي عُسْفان. قال: "لقد مرَّ به هودٌ وصالحٌ على بكرات خُطُمُها اللِّيف، أُزُرُهم العباء، وأرديتهم النِّمار، يُلَبُّون، يَحُجُّونَ البيتَ العتيق". إسناد حسن (٥).


(١) زاملتيْه: الزاملة: ما يُحمل عليه من الإبل وغيرها.
(٢) قول ابن كثير هذا سقط من أ، وأثبته من ب.
(٣) ذكره الهيثمي في المجمع (٦/ ٩١) من حديث عبد اللَّه بن مسعود وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.
(٤) في المسند (١/ ٢٣٢).
(٥) أقول: فيه زمعة بن صالح ضعيف، كما قال الحافظ في "التقريب".