للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يحيى الذُّهلي، عن أبي صالح عن اللّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، عن الزُّهري عنه.

قال الحافظ ابن عساكر (١): وكانت داره بدمشق موضع ميضأة جيرون (٢) الآن [في تلك المساحة جميعها] وبنى دارًا كبيرة مما يلي باب الصغير، موضع الدرب المعروف بدرب محرز، وجعلها دار الإمارة، وعمل فيها قبة صفراء تشبيهًا بالقبة الخضراء، قال: وكان فصيحًا مؤثرًا للعدل محبًا للغزو، وقد أنفذ الجيش لحصار القسطنطينية حتى صالحوهم على بناء الجامع بها.

وقد روى أبو بكر الصولي: أن عبد الملك جمع بنيه، الوليد وسليمان ومسلمة، بين يديه فاستقرأهم القرآن فأجادوا القراءة، ثم استنشدهم الشعر فأجادوا، غير أنهم لم [يكملوا أو] يحكموا شعر الأعشى، فلامهم على ذلك، ثم قال: لينشدني كل رجل منكم أرق بيت قالته العرب ولا يفحش، هات يا وليد، فقال الوليد: [من البسيط]

ما مركبٌ وركوبُ الخيلِ يعجبني … كمركبٍ بينَ دملوجٍ وخلخالِ

فقال عبد الملك: وهل يكون من الشعر أرفث من هذا؟ هات يا سليمان، فقال: [من الخفيف]

حبَّذا رجعُها يديها إليها … في يدي درعها تحلُّ الإزارا

فقال: لم تصب، هات يا مسلمة، فأنشده قول امرئ القيس:

وما ذرفتْ عيناكِ إلا لتضربي … بسهمَيكِ في أعشارِ قلبٍ مُقتَّلِ

فقال: كذب امرؤ القيس ولم يُصب، إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلا اللقاء، وإنما ينبغي للعاشق أن يغتضي منها الجفاء ويكسوها المودة، ثم قال: أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام فمن أتاني به فله حكمه، أي: مهما طلب أعطيته، فنهضوا من عنده فبينما سليمان في موكب إذا هو بأعرابي يسوق إبله وهو يقول:

لو ضربوا (٣) بالسَّيفِ رأسي في مودَّتها … لمالَ يهوي سريعًا نحوَها رأسي

فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل، ثم جاء إلى أبيه فقال: قد جئتك بما سألت، فقال: هات، فأنشده البيت فقال: أحسنت، وأنى لك هذا؟ فأخبره خبر الأعرابي، فقال: سل حاجتك ولا تنس صاحبك. فقال: يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالأمر من بعدك للوليد، وإني أحب أن أكون ولّي العهد من بعده، فأجابه إلى ذلك، وبعثه على الحج في إحدى وثمانين، وأطلق له مئة ألف درهم، فأعطاها سليمان لذلك الأعرابي [الذي قال ذلك البيت من الشعر] (٤).


(١) مختصر تاريخ دمشق (١٠/ ١٧٠).
(٢) جَيرون - بالفتح - الباب الشرقي للجامع الأموي بدمشق. معجم البلدان (٢/ ١٩٩).
(٣) في مختصر تاريخ دمشق: لو حزَّ.
(٤) القصة بكاملها في مختصر تاريخ دمشق (١٠/ ١٧١ - ١٧٢).