للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فغَضِبَ هشام على ابنِه مَسْلَمة، وكان يُكنَى بأبي شاكر، وقال له: يتشبَّهُ بكَ الوليد بن يزيد وأنا أرتَجيكَ للخلافة. وبعثَهُ على الْمَوْسم سنةَ تسعَ عشرةَ ومئة، فأظهر النُّسْكَ والوَقَار، وقسم بمكة والمدينة أموالًا، فقالا مولًى لأهلِ المدينة:

يا أيها السائلُ عن ديننا … نحنُ على دينِ أبي شاكِرِ

الواهبِ الجُرْدَ بأرسَانِها … ليس بزنْديقٍ ولا كافِرِ (١)

ووقعَتْ بن هشام وبينَ الوليد بن يزيدَ وَحْشةٌ عظيمةٌ بسببِ تَعَاطي الوليدِ ما كانَ يَتعاطاهُ من الفواحِشِ والمنكرات، فتنكَّرَ له هشامٌ وعزَمَ على خلْعِه وتوليةِ ولدِهِ مَسْلَمة ولايةَ العَهْد؛ ففرَّ منهُ الوليدُ إلى الصحراء، وجعلا يتراسلانِ بأقبحِ المراسلات، وجعل هشامٌ يتوعَّده وعيدًا شديدًا، ويتهدَّده، ولم يزل كذلك حتى مات هشام والوليدُ في البرِّيَّة، فلما كانتِ الليلةُ التى قدِمَ في صَبيحتِها عليه البُرُدُ بالخِلافة قَلِقَ الوليدُ تلك الليلةَ قلقًا شديدًا وقال لبعض أصحابه: ويحك قد أخَذَني الليلةَ قلقٌ عظيم، فارْكَبْ بنا لعلَّنا ننشَط، فسارَ مقدارَ ميلَيْن يتكلَّمانِ في هشام وما يتعلَّقُ بهِ من كُتبه إليه بالتهديدِ والوَعيد، ثم رأيا من بُعْدِ رَهَجًا وأصواتًا وَغُبارًا، ثم انكشف ذّلك عن بُرُدٍ يَقْصدونَهُ بالولاية، فقال لصاحبه: ويحك، إنَّ هذه رُسُلُ هشام؛ اللهمَّ أعطنا خيرها. فلما اقتربَتِ البُرُدُ منه وتَبيَّنُوهُ ترجَّلُوا إلى الأرض، وجاؤوا فسلَّموا عليه بالخِلافة، فبُهتَ وقال: وَيْحكم! أماتَ هشام؟ قالوا: نعم. قال: فمنْ بعثَكُمْ؟ قالوا: سالم ين عبد الرحمن صاحبُ ديوانِ الرسائلِ. وأعطَوْهُ الكتاب؛ فقرأه ثم سألهم عن أحوالِ الناس، وكيف مات عمُّه هشام؟ فأخبروه، فكتبَ من فوْرهِ بالاحتياطِ على أموالِ هشامٍ وحَوَاصلِه بالرُّصَافة، وقال في ذلك:

ليتَ هشامًا عاش حتى يرَى … مكيالَهُ الأوفرَ قد ضُيِّعا (٢)

كِلْناهُ بالصَّاع الذي كالَهُ … وما ظلَمْناهُ بهِ إصبعا

وما أتينا ذاك عن بدْعةٍ … أحلَّهُ الفُرْقانُ لي أجمَعَا (٣)

[وقد كان الزهري يَحُثُّ هشامًا على خَلْعِ الوليد هذا ويستنهِضُهُ في ذلك، فيُحجمُ هشام عن ذلك خَوْفَ الفَضيحةِ من الناس، ولئلا تتنكَّر قلوبُ الأجنادِ من أجلِ ذلك. وكان الوليدُ يفهمُ ذلك من الزُّهري ويُبْغضُه ويتوعَّدهُ ويتهدَّدُه، فيقول له الزهري: ما كانَ اللهُ ليُسلِّطَكَ عليَّ يا فاسق. ثم ماتَ الزهريُّ قبلَ ولايةِ الوليد؛ ثم فرَّ الوليدُ من عمِّه إلى البرِّيَّة، فلم يزَلْ بها حتى مات، فاحتاطَ على أموالِ عمِّه ثم ركب من فَوْرِهِ من البرِّيَّة، وقصَدَ دمشق، واستعملَ العُمَّال، وجاءَتْهُ البيعةُ من الآفاق، وجاءَتْهُ الوفود، وكتب


(١) الخبر والأبيات في تاريخ الطبري (٤/ ٢٢٢).
(٢) في (ق) وتاريخ الطبري: "قد طبعا" والمثبت من (ب، ح).
(٣) انظر الخبر والأبيات تاريخ الطبري (٤/ ٢٢٥، ٢٢٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>