للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال الرشيد: زِدْ. فقال:

إذا ما الليل مالَ علَيْـ … ــكَ بالإظْلامِ واعْتَكَرا

ودَجَّ فلم تَرَى فَجْرًا … فأبْرِزْها تَرَى قَمَرًا (١)

فقال: إنَّا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرةِ آلافِ درهم.

ومن شعرِهِ الذي أقرَّ له فيه بشارُ بنُ بُرْد، وأثبته في سِلْك الشعراء بسببِه قولُه:

أبكي الذين أذاقوني مَوَدَّتَهُمْ … حتى إذا أيقظوني للهوَى رَقَدوا

واستنهضوني فلمَّا قمتُ مُنتصبًا … بِثقْلِ ما حَمَّلوني منهمُ قَعَدوا (٢)

وله أيضًا:

وحدَّثتَنِي يا سعدُ عنها فِزِدْتَني … جنونًا فزِدْني من حديثِكَ يا سَعْدُ

هواها هوى لم يعرِفِ القلبُ غيرَهُ … فليس له قَبْلٌ وليس لَهُ بَعْدُ (٣)

قال الأصمعي: دخلتُ على العباسِ بنِ الأحنف بالبصرةِ وهو طَريحٌ على فراشِه، يَجُودُ بنفسِهِ وهو يقول:

يا بعيدَ الدارِ عن وطنِهْ … مُفردًا يبكي على شَجَنِهْ

كلَّما جدَّ النحيبُ بهِ … زادَتِ الأسقامُ في بَدَنِهْ

ثم أُغمي عليه، ثم انتبه بصوتِ طائرٍ على شجرةٍ فقال:

ولقد زاد الفؤادَ شجًا … هاتفٌ يبكي على فَنَنِهْ

شاقَهُ ما شاقَني فبَكَى … كُلُّنا يبكي على سَكَنِه (٤)

قال: ثم أُغمي عليه أخرى، فحرَّكْتُهُ فإذا هو قد مات.

قال الصولي: كانتْ وفاتُه في هذه السنة. وقال القاضي ابن خلِّكان إنه تُوفي بعدَها، وقيل قبلَها، في سنةِ ثمانٍ وثمانين ومئة. فاللَّه أعلم. وقال عمر بن شبَّة: سنة ثمان وثمانين. وزعم بعضُ المؤرِّخين أنه بَقي بعدَ الرشيد.


(١) الأبيات في ديوان الأحنف ص (١٥٢)، وقوله: "ترى" برفع المجزوم في شطري البيت الأخير، من ضرورات الشعر. ولفظ الديوان "يكن" في الشطرين.
(٢) البيتان في ديوان العباس ص (١٠٤)، وهما في ديوان بشار بن برد أيضًا ص (٤٣٤).
(٣) البيتان في ديوان العباس ص (١٢٠).
(٤) الأبيات بألفاظٍ مقاربة في ديوان العباس ص (٣١١).

<<  <  ج: ص:  >  >>