للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فأسلما من فورهما، فأمر بهما الخليفة أن يطاف بهما حول البَلَد وعليهما الخِلَعُ، وأن يوقفا تحت الحِصن الذي فيه ياطس (١) فينثرَ عليهما الدراهم والخِلَع، ومعهما الكتاب الذي كتب به ياطس إلى ملك الروم، فجعلت الروم تلعنهما وتسبُّهما.

وأمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتفاظ فيه من خروج الروم بغتةً، فضاقت الروم ذَرْعًا بذلك، وألحَّ عليهم المسلمون في الحصار، وقد أعد المعتصم عليها المجانيق الكثيرة والدبابات وغير ذلك من الآلات الحربية.

ولمَّا رأى المعتصم عمقَ خندقها وارتفاع سورها، عمل المجانيق في مقاومة سورها، وكان قد غنم من الطريق غَنَمًا كثيرًا جدًّا، ففرقها في الناس، وقال: ليأكل الرجل الرأس وليجيء بملء جلده ترابًا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك، فتساوى الخندقُ بوجه الأرض من كثرة ما طُرح فيه من جلود الأغنام، ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقًا ممهدًا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج اللَّهُ إلى ذلك. وبينما الناس في الجسر [المردوم] (٢) إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب من السور، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدَّةً عظيمة، فظنَّها من لم يرها أنَّ الروم قد خرجوا على الناس بغتةً، فبعث المعتصم من ينادي في الناس: إنما ذلك سقوطُ السور. ففرح المسلمون بذلك فرحًا شديدًا، لكن لم يتسع أن يدخل منه الجيش لضيقه عنهم، فأمر المعتصم بالمجانيق المتفرقة، فجمعت هنالك ونصب حول ذلك الموضع الذي سقط؛ ليضرب بها ما حوله؛ ليتسع لدخول الخيل والرجال.

وقوي الحصار هنالك، وقد وكلت الروم بكل برجٍ من أبراج السور أميرًا يحفظه، واتفق أن ذلك الأمير الذي انهدم ما عنده من السور، ضعف عن مقاومة ما يلقاه من المسلمين، فذهب إلى ياطس فسأله النجدة فامتنع أحدٌ من الروم أن ينجده، وقالوا: لا نترك ما نحن بصدده من حفظ أماكننا التي قد عيِّنت لنا.

فلمَّا يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به، فلمَّا وصل إليه، أمر الخليفة المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد انهدمت وخلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها، فجعلت الروم يشيرون إليهم؛ لا يجيؤون، ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرًا، وتتابع المسلمون إليها يكبِّرون، وتفرَّقت الروم عن أماكنها فجعلوا (٣) يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم وأين ثقفوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلةٍ ففتحوها قَسْرًا، وقتلوا من


(١) في الكامل لابن الأثير: ناطس، وما أثبتناه كما في تاريخ الطبري.
(٢) زيادة من ط.
(٣) في ط: فجعل المسلمون.

<<  <  ج: ص:  >  >>