للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

بنيسابور، واستوطن سَمَرْقَنْد. وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من أئمة الإسلام بالأحكام. وقد رحل إلى الآفاق وسمع من المشايخ الكثير النافع، وصنَّف الكتب المفيدة الحافلة النافعة، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم فيها خشوعًا، وقد صنَّف كتابًا عظيمًا في الصلاة.

روى الخطيب البغدادي (١) عنه أنه قال: خرجت من مصر قاصدًا إلى مكَّة، فركبت البحر، ومعي جارية لي، فغرقَت السفينة، فذَهَبَ لي في الماء ألفا جزءٍ، وسلمْتُ أنا والجارية، فلجأنا إلى جزيرة، فطلبنا بها ماءً فلم نجد، فوضعت رأسي على فخذ الجارية، ويئست من الحياة، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كُوز، فقال: هاه! فأخذته، فشربت منه وسقيت الجارية، ثم ذهب فلم أدرِ من أين أقبَلَ ولا إلى أين ذهب (٢).

وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفسًا. وكان إسماعيل بن أحمد (٣) يصله في كل سنة بأربعة آلاف، [ويصلُه أخوه إسحاق بن أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهلُ سَمَرْقَند بأربعة آلاف] (٤)، فينفق ذلك كلَّه، فقيل له: لو ادَّخَرْتَ منها شيئًا لنائبةٍ؟ فقال: يا سبحانَ اللّه! - أنا مكثت في مصر مدّة أنفق فيها في كلِّ سنةٍ عشرين درهمًا، أفرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا لا يتهيَّأ لي في السنة عشرون درهمًا (٥)!.

وكان محمد بن نَصْر المَرْوَزيّ إذا دخل على إسماعيل بن أحمد السَّامانيّ ينهض له ويكرمه، فعاتبه يومًا أخوه إسحاق بن أحمد، فقال له: تقوم لرجلٍ في مجلس حكمك وأنت ملك خراسان؟ قال إسماعيل: فبتُّ تلك الليلة وأنا متقسِّم (٦) القلب (٧)، فرأيْتُ رسولَ اللّه في المنام، وهو يقول: يا إسماعيل! ثبتَ ملكُكَ وملكُ بنيك بتعظيمك محمّد بن نَصْر، وذَهَبَ ملكُ أخيك باستخفافه بمحمّد بن نَصْر (٨).

وقد روي أنه اجتمع بالدِّيار المصرية محمّد بن نَصْر، ومحمد بن جرير الطبري، ومحمد بن المنذر، فجلسوا في بيتٍ يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم مَن يسعى لهم في شيء يأكلونه؛ ليدفعوا عنهم ضرورتهم، فجاءت (٩) القُرعة على أحدهم، فنهض


(١) تاريخ بغداد (٣/ ٣١٧)، المنتظم (٦/ ٦٤).
(٢) بعدها في ط: ثم إن اللّه سبحانه أغاثنا فنجانا من ذلك الغم.
(٣) هو إسماعيل بن أحمد السَّاماني، صاحب خراسان، وسيترجم له المؤلف في حوادث سنة ٢٩٥ هـ.
(٤) ما بين قوسين ساقط في آ.
(٥) المنتظم (٦/ ٦٥)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٧).
(٦) في ب، ظا: منزعج، وفي ط: مشتت، وأثبت ما جاء في آ والمنتظم والسير.
(٧) بعدها في ط: من قول أخي، وكانوا هم ملوك خراسان وما وراء النهر، قال.
(٨) المنتظم (٦/ ٦٥)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٨ - ٣٩).
(٩) في ط: فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا، فقام إلى الصلاة.

<<  <  ج: ص:  >  >>