للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

فيها الحنظل بحيث إنه مات [من الحجاج] من العطش نحو من خمسة عشر ألفًا، وأخذوا بقيتهم فجعلوهم رعاة لمواشيهم في أسوإ حال، وأخذوا جميع ما كان معهم من الأحمال والأجمال. فحين أحضرهم الوزير فخر الملك سجنهم ومنعهم الماء، ثُمَّ صلبهم تِلقاء دجلة، يرون صفاء الماء، ولا يقدرون على شيء منه حتى ماتوا عطشًا جزاءً وِفاقًا، ولقد أحسن فخر الملك في هذا الصنيع، واقتدى بحديث أنسٍ في الرُّعاة الذين كانوا في زمن النَّبِيِّ ، والحديث في "الصحيحين" (١) ثُمَّ بعث إلى أولئك الذين اعتُقِلوا في [بلاد] بني خفاجة من الحجاج فجيء بهم، وقد تزوجت نساؤهم، وقسّمت أموالهم، فردّوا إلى أهاليهم وأموالهم.

قال ابن الجوزي (٢): وفي رمضان انقضّ كوكب من المشرق إلى المغرب غلب ضوؤه على ضوء القمر، وتقطّع قطعًا وبقي ساعة طويلة.

قال: وفي شوال توفيت زوجة بعض رؤساء النصارى (٣)، فخرجت النوائح والصلب معها جَهْرَةً، فأنكر ذلك بعض الهاشميين، فضربه بعض غلمان [ذلك الرئيس النصراني] بدبوس في رأسه فشجَّه، فثار المسلمون بهم فانهزموا ولجؤوا إلى كنيسة لهم هنالك، فدخلت العامة إليها فنهبوا ما فيها، وما قرب منها من دور النصارى، وتتبَّعوا النصارى في البلد، وقصدوا دار الناصح وابن أبي إسرائيل فقاتلهم غلمانهم، وانتشرت الفتنة ببغداد، ورفع المسلمون المصاحف في الأسواق وعطلت الجمعة في بعض الأيام، واستعانوا بالخليفة، فأمر بإحضار ابن أبي إسرائيل فامتنع، فعزم الخليفة على الخروج من بغداد، وقويت الفتنة جدًا، ونهبت دور كثير من النصارى، ثُمَّ أحضر ابن أبي إسرائيل، وبذل أموالًا جزيلة، فعفا عنه، وسكنت الفتنة.

وفي ذي القعدة: ورد كتاب من يمين الدولة محمود بن سُبُكْتِكين إلى الخليفة، يذكر أنّه ورد إليه رسول من الحاكم صاحب مصر [ومعه كتاب]، يدعوه إلى طاعته، فبصق فيه، وأمر بتخريقه، وأسمع رسوله أغلظ ما يقال.

وفيها: قُلِّد أبو نصر بن مروان الكردي إمرة آمدَ (٤) وميّافارقين (٥)، وديار بكر (٦)، وخُلع عليه بطوق وسواران، ولُقب نصير الدولة.


(١) حديث أنس في الرعاة الذين سمَل رسول اللَّه أعينهم. رواه البخاري (٦٨٠٢) في الحدود، ومسلم (١٦٧١) في القسامة.
(٢) المنتظم (٧/ ٢٦١).
(٣) في المنتظم (٧/ ٢٦٢): أن المتوفاة بنت أبي نوح الأحوازي الطبيب زوجة أبي نصر بن إسرائيل كاتب الناصح، أبي الهيجا.
(٤) آمد: بلد قديم حصين تحيط دجلة بأكثره مستديرة كالهلال. معجم البلدان (١/ ٥٦).
(٥) ميّافارقين: أشهر مدينة بديار بكر. معجم البلدان (٥/ ٢٣٥).
(٦) ديار بكر: هي بلاد كبير واسعة، حدّها ما غرّب من دجلة إلى بلاد الجبل المطل على نصيبين. معجم البلدان (٢/ ٤٩٤).

<<  <  ج: ص:  >  >>