للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وتَرى منَاطَ عروقِها في نَحْرِهَا … والمحُّ في تلك العِظامِ النُّحَّلِ

امنُنْ عليَّ بتوبَةٍ تمحُو بها … ما كان مني في الزّمان الأوَّل

وقد كانت وفاته في ربيع الأول من هذه السنة بمعرّة النعمان عن ست وثمانين سنة إلا أربعة عشر يومًا، وقد رثاه جماعة من أصحابه وتلامذته، وأُنْشِدَتْ عند قبره ثمانون مرثاة حتى قال بعضهم في رثائة:

إنْ كُنْتَ لم تُرِقِ الدِّماءَ زهادةً … فَلَقدْ أرَقْتَ اليومَ من جَفني دَما

قال ابن الجوزي (١): وهؤلاء [الذين رثوه والذين اعتقدوه] إمّا جهال بأمره، أو ضلال على مذهبه وطريقته، وقد رأى بعضهم في المنام رجلًا ضريرًا على عاتقيه حيّتان مدلَّيتان إلى صدره رافعتان رؤوسهما، وهما ينهشان من لحمه وهو يستغيث، وقائل يقول: هذا المعرّي الملحد.

وقد ذكره القاضي ابن خلِّكان في "الوفيات" (٢)، فرفع من نسبه [على عادته في الشعراء] كما ذكرنا، وذكر له من المصنفات كتبًا كثيرة، وذكر أن بعضهم وقف على المجلد الأول بعد المئة من كتابه المسمى "بالأيك والغصون" وهو المعروف: بالهمز والردف. وأنه أخذ العربية عن أبيه، واشتغل بحلب على محمد بن عبد اللَّه بن سعد النَّحوي، وأخذ عنه أبو القاسم علي بن المحسِّن التَّنوخي، والخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التِّبريزي، وذكر أنَّه مكث خمسًا وأربعين سنة لا يأكل اللّحم على طريقة الحكماء، وأنَّه أوصى أن يكتب على قبره:

هذا جناهُ أبي عليَّ … وما جَنَيْتُ على أحد

قال ابن خلِّكان: وهذا أيضًا يتعلّق باعتقاد الحكماء، فإنَّهم يقولون: إيجاد الولد، وإخراجه إلى هذا الوجود جِناية عليه، لأنّه يتعرَّض للحوادث والآفات.

قلت: وهذا يدلّ على أنَّه لم يتغيّر عن اعتقاد الحكماء إلى آخر وقت، وأنّه لم يقلع عن ذلك كما ذكره بعضهم، واللَّه أعلم [بظواهر الأمور وبواطنها].

وذكر ابن خلِّكان، أنَّه كانت عينه اليمنى ناتئة وعليها بياض، واليسرى غائرة، وكان نحيفًا. ثمّ أورد من أشعاره الجيدة أبياتًا منها قوله:

لا تطلُبنَّ بآلةٍ لكَ رُتبةً … قلمُ البليغِ بغيْرِ جدٍّ مِغْزَلُ

سكَن السماكانِ السماءَ كلاهُما … هذا لَهُ رُمحٌ وهذا أعْزلُ


(١) المنتظم (٨/ ١٨٨).
(٢) وفيات الأعيان (١/ ١١٣ - ١١٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>