للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكتبت الكتب في خامس رجب، والنار بحالها، ووصلت الكتب إلينا في عاشر شعبان ثم قال:

بسم الله الرحمن الرحيم، ورد إلى مدينة دمشق [حرسها الله تعالى] في أوائل شعبان من سنة أربع وخمسين وستمئة كتبٌ من مدينة رسول الله ، فيها شرحُ أمرٍ عظيمٍ حدثَ بها فيه تصديقٌ لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة. قال قال رسول الله : "لا تقومُ الساعةُ حتَّى تخرجَ نارٌ من أرضِ الحجازِ تُضيءُ أعناقَ الإِبلِ بِبُصْرى" (١) فأخبرني [بعض] من أثق به ممن شاهدها [بالمدينة] أنه بلغه أنه كُتبَ بتيماء على ضوئها الكتبُ. قال: وكنا في بيوتنا تلك الليالي، وكأنَّ في دار كلِّ واحدٍ منها سراج، ولم يكن لها حر ولفح على عظمها، إنما كانت آية من آيات الله ﷿. قال أبو شامة (٢): وهذه صورة ما وقفت عليه من الكتب الواردة فيها.

لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة سنة أربع وخمسين وستمئة ظهر بالمدينة - يعني النبوية - دويٌ عظيم، ثم زلزلةٌ عظيمةٌ رَجَفَتْ منها الأرضُ والحيطانُ والسقوفُ والأخشابُ والأبوابُ، ساعةً بعدَ ساعةٍ إلى يوم الجمعة الخامس من الشهر المذكور، ثم ظهرت نارٌ عظيمةٌ في الحرة قريبة من قريظة نبصرها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وهي نارٌ عظيمةٌ إشعالُها أكثرُ من ثلاث منائر (٣)، وقد سالت أودية [منها] بالنار إلى وادي شظاة مسيل الماء، وقد مدت سيل شظا وما عاد يسيل (٤)، والله لقد طلعنا جماعة نبصرها فإذا الجبال تسيلُ نيرانًا، وقد سدَّتِ الحرةُ طريقَ الحاجّ العراقي، فسارت إلى أن وصلت إلى الحرة فوقفت بعدما أشفقنا أن تجيء إلينا، ورجعت (٥) تسيل في الشرق فخرج (٦) من وسطها سهول (٧) وجبال نيران تأكل الحجارة، فيها أنموذج عما أخبر الله تعالى في كتابه ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ [المرسلات: ٣٢، ٣٣] وقد أكلت الأرض، وقد كتبت هذا الكتاب يوم خامس رجب سنة أربع وخمسين وستمئة والنار في زيادة ما تغيرت، وقد عادت إلى الحرار في قريظة طريقة عير الحاج (٨) العراقي إلى الحرة (٩) كلُّها نيرانٌ تشتعل نُبصرها في الليل من المدينة كأنها مشاعلُ الحاج. وأما أمُّ


(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٧١١٨) في الفتن، باب خروج النار، ومسلم رقم (٢٩٠٢) في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز، من حديث أبي هريرة .
(٢) ذيل الروضتين (١٩٠).
(٣) ط: منارات.
(٤) في ذيل الروضتين: إلى وداي شظا سيل الماء وقد سدت سبيل شظا وما عاد بسبيل.
(٥) أ، ب: وجعلت.
(٦) أ، ب: يخرج.
(٧) ط: سهود.
(٨) أ، ب: العير للحجاج.
(٩) أ، ب: بحيرة.

<<  <  ج: ص:  >  >>