للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

العصر إلى مُغَيرِبان (١) الشَّمْس". ورواه البخاريّ عن سُلَيمانَ بن حَرْب عن حمّاد بن زَيْد، به، نحوَه، بأبْسَط مِنْهُ (٢).

وروى الحافظ أبو القاسم الطَّبرَانيُّ، من حديث عَطِيّة العَوْفِيّ، ووَهْب بن كيسان، عن ابن عمر، عن النبيّ بنحو ذلك (٣).

وهذا كلُّه يَدُلّ على أنّ ما بقي من الدنيا بالنِّسْبةِ إلى ما مَضَى منها شيءٌ يَسِيرٌ، لكن لا يَعْلَمُ مِقْدَارَ ما مَضَى منها إلّا اللَّهُ تعالى، ولا ما بقي إلا اللَّه تعالى، ولكن لها أشراط إذا وُجدت كانت قريبة واللَّه أعلم، ولَمْ يَجِئ في حديث تَحْدِيدٌ يَصِحّ سَنَدُه عن المعصوم، حتى يُصَارَ إليه، ويُعْلَمَ نِسْبَةُ ما بَقِي بالنِّسْبة إليه، ولكنَّه قلِيلٌ جِدًا بالنِّسْبةِ إلى الماضي، وتعيينُ وقت الساعة، لم يأت به حديث صَحِيح، بل الآياتُ والأحاديثُ دالَّةٌ على أن عِلْمَ ذَلِك ممّا استأثَر اللَّهُ تعالى به، دون خَلْقه، كما سيأتي تقريرُه في أول الجزء الآتي بعد هذا، إن شاء اللَّه تعالى، وبه الثقة وعليه التكْلانُ.

فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد بن حَنْبَل، في "مُسْنَدِه" قائلًا: حدثنا أبو اليمان، أنبأَنا شُعَيبٌ، عن الزُّهريّ، حدّثني سالم بن عبد اللَّه، وأبو بكر بن أبي حَثْمة (٤) أن عبد اللَّه بن عمر قال: صلى رسول اللَّه صلاة العِشَاءِ في آخرِ حَياتِه، فلَمّا سلم قام، فقال: "أَرَأَيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِه؟ فإنّ على رأسِ مئةِ سنةٍ منها لا يبقَى مِمَّنْ هو اليومَ على ظَهْرِ الأرض أَحَدٌ" قال عبد اللَّه: فَوَهَلَ (٥) الناسُ في مَقَالةِ رسول اللَّه تِلْك، إلى ما يُحَدِّثُون مِنْ هَذِه الأحاديث، عن مئةِ سَنَةٍ. وَإِنّما قال النبيُّ : "لا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَومَ على ظَهْرِ الأرْضِ أحَدٌ" يريد بذلك أنّه يَنْخَرِمُ ذَلِكَ القرْنُ. وهكذا رواه البخاريّ عن أبي اليمَانِ بسنده ولفظه سواء. ورواه مسلم عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارمي، عن أبي اليمان الحَكَم بن نَافعٍ عن شُعَيْبٍ، به (٦). فقد فسّر الصحابيُّ المرادَ من هذا الحديث بما فهِمَهُ، وهو أولى بالفَهْم من كُلِّ أحَدٍ، مِنْ أنّه يُريدُ بذلك أنْ يَنْخَرِم قَرْنُه ذَلِكَ، فلا يَبْقَى أحد مِمَّنْ هُوَ كَائِنٌ على وَجْهِ الأرض مِنْ أهْلِ ذلك الزَّمانِ من حين قال هذه المقالة إلى مِئَةِ سَنةٍ. وقد اختلف العلماءُ، هل ذلك خاصٌّ بذلك القرن، أو عامّ في كلّ قَرْنٍ أنه لا يبقى أحَدٌ أكْثَرَ مِنْ مئةِ سَنَةٍ؟ على قولين، والتخصيص بذلك القرن المُعَيّن الأوّلِ أوْلَى، فإنّه قد


(١) وقت غروبها.
(٢) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٢٤) والبخاري (٢٢٦٨).
(٣) أخرجه الطبراني في "الأوسط" رقم (٤٩٨) من طريق وهب به، وهو حديث حسن.
(٤) في الأصول: أبو بكر بن أبي خيثمة، وهو خطأ، والتصحيح من مصادر التخريج.
(٥) أي غلطوا.
(٦) رواه أحمد في المسند (٢/ ١٢١) والبخاري رقم (٦٠١) ومسلم (٢٥٣٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>