للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبلادها، وسُجِّرَت بحارُها، وتساوَتْ وهادها ورُبَاها، وخَرِبَتْ مدائنُها وقُرَاها، وزالت قصورها وبيوتها وأسواقها، وزُلْزِلتْ زِلْزالَها، وأخْرَجَتْ أثْقَالها، وقال الإنسانُ: ما لَها؟ يومئذ تحدث أخبارها، بأن ربك أوحى لها. وكذلك يجدون السماوات قد بُدِّلَتْ، ونُجُومُها قد انْكَدَرَت وانتثرَثْ، ونواحيها قد تشقّقَتْ، وأرجَاؤُها قد تَفَطّرَتْ، والملائكة على أرجائها قد أحدَقت. وشمسها وقمرها مكسوفان، بل مخسوفان، وفي مكان واحدٍ مجموعان، ثم يُكوَّرَان بعد ذلك ثم يُلْقَيان في النار. كما في الحديث الذي سَنُورده في "النَّيِّران" يُكوَّران كأنهما ثَوْرانِ عَقِيرانِ.

قال أبو بكر بن عيَّاش: قال ابن عبَّاس: يخرجون من قبورهم فينظرون إلى الأرض غيرَ الأرض التي عَهِدُوها. وإلى الناس غيرَ الناس الذين كانوا يعرفون ويعهدون. قال: ثم تمثل ابنُ عبَّاس:

فمَا النَّاسُ بالنَّاس الّذِين عَهِدْتَهُمْ … وَلا الدَّارُ بِالدَّار التي كُنْتَ تَعْرِفُ

وقد قال اللَّه تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)[إبراهيم: ٤٨]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)[الطور: ٩ - ١٠]. وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)[الرحمن]، وقال تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤). . .﴾ الآيات [الحاقة: ١٤]. وقال اللَّه تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (١) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (٤). . .﴾ الآيات [التكوير: ١ - ٤].

وثبت في "الصحيحين" من حديث أبي حازم، عن سَهْل بن سعد، عن النبيِّ أنه قال: "يُحْشرُ الناسُ يوم القيامة على أرضٍ بيْضَاءَ عَفْراءَ (١) كقُرْصَةٍ النَّقِيِّ (٢) ليس فيها مَعْلَم لأحَدٍ" (٣).

وقال محمد بن قيس، وسعيد بن جُبَيْرٍ: تُبَدَّلُ الأرْضُ خُبْزةً بَيْضَاءَ، يَأْكُلُ مِنْها الْمُؤْمنُ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ.

وقال الأعمش، عن خَيْثمة، عن ابن مسعود، قال: الأرْضُ كُلُّها يومَ القيامة نار، والْجَنَّةُ منْ ورائها يُرَى كواعبُها، وأكوابُها، ويُلْجمُهُم العَرَقُ، ويبلغ منهم كل مبلغ، ولم يَبْلُغُوا الحِسَابَ. وكذا رواه الأعمش، عن الْمِنْهالِ، عنْ قَيْس بن السَّكَن، عن ابن مسعود. . . فذكره.

وقال إسرائيل وشعبة، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن ابن مسعود قال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ٤٨] قال: أرض بيضاء كالفضة البيضاء، نقية، لم يسفك فيها دم، ولم يعمل فيها خطيئة، ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، حفاة عراة كما خلقوا، أراه قال: قيامًا حتى يلجمهم العرق.


(١) العفراء: البيضاء إلى حمرة.
(٢) النقي: خبز الدقيق الأبيض.
(٣) رواه البخاري رقم (٦٥٢١) ومسلم (٢٧٩٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>