للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

اسْترطُبان ذو نواس، استرطبان لا باس، فنظروا إلى الكُوَّة فإذا رأس لَخنيعة مقطوع، فخرجوا في أثر ذي نواس حتى أدركوه، فقالوا: ما ينبغي أن يملكنا غيرُك إذ أَرَحْتنا من هذا الخبيث، فملّكوه عليهم، واجتمعت (١) عليه حمير وقبائل اليمن، فكان آخر ملوك حمير، وتَسَمَّى يوسف، فأقام في مُلكه زمانًا. وبنجران (٢) بقايا من أهل دين عيسى بن مريم على الإنجيل، أهل (٣) فضل واستقامة من أهل دينهم، لهم رأسٌ يقال له: عبد الله بن الثامر (٤).

ثِمّ ذكر ابن إسحاق (٥) سبب دخول أهل نجران في دين النصارى، وأن ذلك كان على يدي رَجُل يقال له: فيْمِيُون كان من عُبّاد النصارى بأطراف الشام، وكان مجاب الدعوة، وصَحِبه رجلٌ يقال له: صالح، فكانا (٦) يتعبَّدان يوم الأحد، ويعمل فيميون بقية الجمعة في البناء، وكان يدعو للمرضى والزَّمْنَى (٧) وأهلِ العاهات فيشفون، ثمّ استأسره وصاحِبَه بعضُ الأعراب، فباعوهما بنجران، فكان الذي اشترى فَيْميون يراه إذا قام في مُصَلَّاه بالبيت الذي هو فيه في الليل يمتلئ عليه البيت نورًا، فأعجبه ذلك من أمره، وكان أهل نجران يعبدون نخلة طويلة يعلَّقون عليها حُليَّ نسائهم ويعكفون عندها، فقال فيميون لسيده: أرأيتَ إن دعوتُ الله على هذه الشجرة فَهَلَكَتْ أتعلمون أن الذي أنتم عليه باطل؟ قال: نعم. فجمع له أهل نجران، وقام فيميون إلى مُصَلاّه، فدعا الله عليها، فأرسل الله عليها قاصفًا (٨) فجعفها من أصلها ورماها إلى الأرض، فاتَّبعه أهل نجران على دين النصرانية، وحملهم على شريعة الإنجيل حتى حدثت فيهم الأحداث التي دخلت (٩) على أهل دينهم بكل أرض، فمن هنالك كانت النصرانية بنجران من أرض العرب.


= وأورد الأصفهاني الخبر بشكل يوضح المراد من هذه العبارة، وفيه أن الحراس يصيحون بالخارج: أرطب أم يباس، فلما خرج ذو نواس صاحوا: زرعة يا ذا نواس، أرطب أم يباس؟ فقال: ستعلم الأحراس، أاست ذي نواس رطب أم يباس (الأغاني - ثقافة ٢٢/ ٣٤٦).
(١) كذا في ط. وفي أ: وأجمعت. وفي ب: فملكوه واجتمعت.
(٢) هذا من تتمة كلام ابن إسحاق.
(٣) كذا في ب وط، والسيرة. وفي أ: فيهم فضل.
(٤) زاد في ب: وكان موقع أهل ذلك الدين بنجران، وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها، وأن رجلًا من بقايا أهل ذلك الدين يقال له فيمون. وهذه تتمة كلام ابن إسحاق، وآخره: يقال له فيميون وقع بين أظهرهم فحملهم عليه، فدانوا به .. تاريخ الطبري (٢/ ١٢١).
(٥) السيرة (١/ ٣١). وما بعدها.
(٦) في ط: فكان، وهو خطأ.
(٧) الزمنى: الذين يطول مرضهم ولا يشفون منه.
(٨) زاد في ب: ريحًا قاصفًا. والجعف: القلع.
(٩) في ب: حلت.