للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفي روايةٍ: بعد سنتين بالنّكاح الأوّل. رواه ابن جريرٍ (١).

وفي روايةٍ: لم يحدث نكاحًا (٢).

وهذا الحديث قد أشكل على كثيرٍ من العلماء؛ فإنّ القاعدة عندهم أنّ المرأة إذا أسلمت وزوجها كافرٌ، فإن كان قبل الدخول تعجّلت الفرقة، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدّة، فإن أسلم فيها استمرّ على نكاحها، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها، وزينب، ، أسلمت حين بعث رسول اللَّه ، وهاجرت بعد بدرٍ بشهرٍ، وحرّم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ستٍّ، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمانٍ، فمن قال: ردّها عليه بعد ستّ سنين. أي من حين هجرتها، فهو صحيحٌ، ومن قال: بعد سنتين. أي: من حين حرّمت المسلمات على المشركين، صحيحٌ أيضًا، وعلى كلّ تقديرٍ، فالظاهر انقضاء عدّتها في هذه المدة التي أقلّها سنتان من حين التحريم أو قريبٌ منها، فكيف ردّها عليه بالنِّكَاح الأوّل؟ فقال قائلون: يحتمل أنّ عدّتها لم تنقض، وهذه قصة عين يتطرّق إليها الاحتمال. وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الأوّل الذي رواه أحمد والترمذيّ، وابن ماجه (٣) من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول اللَّه ردّ بنته على أبي العاص بن الربيع بمهرٍ جديدٍ ونكاحٍ جديدٍ.

قال الإمام أحمد: هذا حديثٌ ضعيفٌ واهٍ، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيبٍ، إنّما سمعه من محمد بن عبيد اللَّه العرزميّ، والعرزميّ لا يساوي حديثه شيئًا، والحديث الصحيح الذي روي أنّ النّبيّ أقرّهما على النكاح الأوّل.

وهكذا قال الدارقطنيّ (٤): لا يثبت هذا الحديث، والصواب حديث ابن عباسٍ أنّ رسول اللَّه ردّها بالنكاح الأوّل.

وقال الترمذيّ (٥): هذا حديثٌ في إسناده مقالٌ، والعمل عليه عند أهل العلم أنّ المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنّه أحقّ بها ما كانت في العدّة، وهو قول مالكٍ، والأوزاعيّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق.

وقال آخرون: بل الظاهر انقضاء عدّتها، ومن روى أنّه جدّد لها نكاحًا فضعيفٌ، ففي قضية زينب، والحالة هذه، دليلٌ على أنَّ المرأة إذا أسلمت وتأخّر إسلام زوجها حتى انقضت عدّتها فنكاحها لا ينفسخ


(١) انظر "تاريخ الطبري" (٢/ ٤٧٢).
(٢) رواه الترمذي (١١٤٣)، وحَسَّنه.
(٣) رواه أحمد في "المسند" (٢/ ٢٠٧ و ٢٠٨) والترمذي (١١٤٢) وابن ماجه (٢٠١٠)، وإسناده ضعيف.
(٤) انظر "سنن الدارقطني" (٣/ ٢٥٣ - ٢٥٤).
(٥) وذلك عقب حديث عمرو بن شعيب السابق، وانظر أيضًا قول البيهقي في "السنن الكبرى" (٧/ ١٨٨).