للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

شأنه أنه أخذَه وجعٌ في حَلقِه، وهو يومئذٍ من أصحِّ الناس (١) - أو أهل المدينة- فتوفي بين صلاة الأولى وصلاة العصر، فأضجعنَاه لظهره وغشّيناه ببردين وكساء.

فأتاني آتٍ في مقامي، وأنا أسبِّح بعد المغرب، فقال: إن زيدًا قد تكلَّم بعد وفاته، فانصرفتُ إليه مسرعًا، وقد حضرَه قومٌ من الأنصار، وهو يقولُ أو يُقال على لسانه: الأوسطُ أجلدُ الثلاثه (٢)، الذي كان لا يُبالي في الله لومةَ لائم، كان لا يأمرُ الناسَ أن يأكلَ قويُّهم ضعيفَهم، عبدُ الله أميرُ المؤمنين، صدقَ صدقَ كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمانُ أميرُ المؤمنين وهو يُعافي الناسَ من ذنوب كثيرة، خَلَتِ اثنتان (٣) وبقيَ أربع، ثم اختلفَ الناسُ وأكلَ بعضُهم بعضًا فلا نظام وأُبيحت الأحماء (٤)، ثم ارعوى المؤمنون وقالوا: كتاب الله وقدره، أيُّها الناس: أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولَّى فلا يعهدَن ذمًّا، وكان أمرُ الله قدرًا مقدورًا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقول النجيون والصدِّيقون: سلامٌ عليكم. يا عبدَ الله بنَ رواحة، هل أحسست لي خارجة، لأبيه، وسعدًا اللذين قُتلا يومَ أحد؟ ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى (١٧) وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٥ - ١٨] ثم خفتَ صوتُه، فسألتُ الرَّهطَ عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظرَ بعضُنا إلى بعض، فإذا الصوتُ من تحتِ الثياب، قال: فكشفنا عن وجههِ فقال: هذا أحمدُ رسولُ الله، سلامٌ عليك يا رسولَ الله ورحمةُ الله وبركاتُه، ثم قال: أبو بكر الصدِّيقُ الأمين، خليفةُ رسول الله، كان ضعيفًا في جسمه، قويًا في أمر الله، صدقَ صدقَ وكان في الكتاب الأول (٥).

ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبي نصر بن قتادة، عن أبي عمرو بن نجيد، عن علي بن الحسين بن الجنيد، عن المُعَافى بن سُليمان، عن زهير بن معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، فذكر (٦). وقال: هذا إسناد صحيح.

وقد روى هشام بن عمَّار في كتاب "البعث" عن الوليد بن مسلم، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدَّثني عُمير بن هانئ، حدَّثني النعمان بن بشير، قال: تُوفي رجلٌ منا يقال له: زيدُ بن خارجة فسخينا عليه ثوبًا، فذكرَ نحو ما تقدم.


(١) في دلائل البيهقي: من أصح أهل المدينة من غير شك.
(٢) في دلائل البيهقي: أجلد القوم.
(٣) في دلائل البيهقي: خلت ليلتان وهي أربع. وفيها تحريف ظاهر.
(٤) كذا في دلائل البيهقي (٦/ ٥٦) وفي الشمائل: وأنتجت الأكماء والرسم في (أ) يحتمل التحريف.
(٥) من عاش بعد الموت؛ لابن أبي الدنيا (ص ٣٢) ودلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٥٧).
(٦) المصدر السابق (٦/ ٥٧).