للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لفنائها، لرداءتها ودناءتها، فصارتْ عبرة ومُثْلةً وعِظَةً وآيةً على قدرة اللّه تعالى وعظمته، وعزَّته في انتقامه ممن خالفَ أمرَه وكذَّبَ رسلَه واتَّبعَ هواه وعصى مولاه، ودليلًا على رحمتِه بعباده المؤمنينَ في إنجائه إيَّاهم من المهلكات، وإخراجه إياهم من النُّور إلى الظلمات، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الشعراء: ٨، ٩]، وقال تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٧٣ - ٧٧] أي: منْ نَظرَ بعين الفراسة والتوسُّم فيهم، كيف غيَّر اللّه تلك البلاد وأهلَها، وكيف جعلَها بعدما كانت آهلةً عامرة، هالكةً غامرة؛ كما روى الترمذيُّ وغيرُه مرفوعًا: "اتقوا فراسةَ المؤمن فإنَّه ينظر بنور اللّه" (١) ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥].

وقوله ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: ٧٦] أي: لطريق مهيعٍ مسلوك إلى الآن، كما قال: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٣٥]، وقال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٧]، أي: تركناها عبرة وعظةً لمن خافَ عذابَ الآخرة، وخشي الرحمن بالغيب، وخاف مقام ربّه، ونهى النفس عن الهوى، فانزجرَ عن محارم اللّه، وترك معاصيه، وخاف أن يُشابه قومَ لوط: "ومن تشبَّه بقوم فهو منهم" (٢) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه، كما قال بعضهم: [من الطويل]

فإنْ لم تكونوا قومَ لوطٍ بعينهم … بعينهم فما قومُ لوطٍ منكمُ ببعيد

فالعاقلُ اللَّبيبُ الخائفُ من ربِّه، الفاهمُ، يمتثلُ ما أمرَه اللّه به ﷿، ويقبلُ ما أرشده إليه رسولُ اللّه من إتيان ما خلقَ له من الزوجات الحلال، والجواري من السَّراري ذوات الجمَال، وإيَّاه أن يتَّبعَ كلَّ شيطان مريد، فيحقّ عليه الوعيد، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣].

* * *


(١) أخرجه الترمذي (٣١٢٧) في التفسير وقال: هذا حديث غريب (يعني: ضعيف)، لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٢) أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٥٠) وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣١٣) وسنده حسن، وصححه الحافظ العراقي في تخريج الإحياء، وحسنه الحافظ في الفتح (٦/ ٧٢) ورواه أبو داود (٤٠٣١) في اللباس وله شاهد من حديث حذيفة، انظر مجمع الزوائد (١٠/ ٢٧١) وعلق طرفًا منه البخاري، وله شاهد مرسل، فالحديث صحيح بطرقه وشواهده.