للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الرّاسبيّ فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة، وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ثم قال: فأخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة.

ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا تَدْعونَّكم زينتُها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم (١) عن طلب الحق وإنكار الظلم: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨].

فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأيَ ما رأيتُم، وان الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلًا منكم، فإنه لابد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصين (٢) الطائي - وكان من رؤوسهم - فعرضوا عليه الإمارة [عليهم] فأبى، ثم عرضوها على حرقوص (ابن زهير) فأبى، (وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبي أوفى العبسي فأبى) وعرضوها (٣) على عبد الله بن وهب (الراسبي) فقبلها وقال: أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقًا من الموت. واجتمعوا أيضًا في بيت زيد بن حصين الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] و (كذا) التي بعدها وبعدها ﴿الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين.

فبكى (٤) رجل منهم يقال له عبد الله بن سخبرة السُّلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه: اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فإن أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته (٥).

قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بني آدم، فسبحان من نوَّع خلقه كما أراد، وسبق


(١) في أ: ولا يلفتنكم عن طلب الحق وإنكار الظلم أمير مسلط ولا سلطان غشوم.
(٢) في ط: حصن؛ خطأ.
(٣) في أ: فأبى ثم عرضوها.
(٤) في أ: قال فبكى.
(٥) في أ: أفضل من الصبر والمصير إلى الله ورضوانه وجنته.