للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

من أدم للصيف وحف الصخرة بدرابزين من الساج المطعم باليشم، وخلف الدرابزين ستور من الديباج، مرخاة بين العمد، وكانت السدنة كل خميس وإثنين يذوِّبون المسك والعنبر والماورد والزعفران، ويعملون فيه غالية، ويبخِّرونها من الليل ثم يدخل الخدم الحمام من الليل فيغتسلون، ويتطيبون ويلبسون ثياب الوشي ويشدون أوساطهم بالمناطق المحلّاة بالذهب ويخلقون الصخرة، ثم يضعون البخور في مجامر الذهب والفضة، وفيها العمود القماري المغلي بالمسك، ويرخوا السدنة الستور فتخرج تلك الرائحة فتملأ المدينة كلها ثم ينادي منادٍ ألا إن الصخرة قد فتحت، فمن أراد الزيارة فليأت فيقبل الناس مبادرين فيصلون ويخرجون، فمن وجدت منه رائحة البخور قال الناس هذا كان اليوم في الصخرة، وأبواب الصخرة أربعة، على كل باب عشرة من الحجبة. الباب الشمالي: يسمى باب الجنة، والشرقي باب إسرافيل، والغربي باب جبريل، والقبلي باب الأقصى، وكانوا يشعلونها بدهن البان، ولا يدخلها أحد غير أيام الزيارة سوى الخدم، وكان للحرم عشرون بابًا، وكان فيه ألف عمود من الرخام، وفي السقوف ستون ألف خشبة، من الساج المنقوش، ومن القناديل خمسة آلاف قنديل، وكان فيه أربعمئة سلسلة، كل سلسلة ألف رطل شامي، طول السلاسل ثلاثون ألف ذراع، وكان يوقد في الصخرة كل ليلة مئة شمعة، وكذا في الأقصى، وكان يوقد في القناديل كل ليلة من الزيت المغسول قنطار، وكان في الحرم خمسون قبة، ومن ألواح الرصاص سبعون ألف لوح، وكان في الحرم ثلاثمئة خادم ابتاعوا من بيت المال من الخمس، كلما مات واحد قام ولده بعده مقامه، ويقبضون أرزاقهم من بيت المال شهرًا بشهر وكان في الحرم مئة صهريج، وكانت صفائح القبة وسقف الأقصى من صفائح الذهب عوض الرصاص وكذلك أبواب القبة وصفائحها، وذلك أنه لما كمل البناء فضل من المال ثلاثمئة ألف دينار وقيل ستمئة ألف، وكتب رجاء بن حيوه ويزيد إلى عبد الملك بوفاته بذلك. فكتب إليهما: قد وهبته منكما، فكتبا إليه: إنا لو استطعنا لزدنا في عمارة هذا المسجد من حلي نسائنا، فكتب إليهما إذ أبيتما أن تقبلاه فأفرغاه على القبة والأبواب، فما كان أحد يستطيع أن يتأمل القبة مما عليها من الذهب القديم والحديث. فلما كان في خلافة أبي جعفر المنصور قدم القدس سنة أربعين ومئة، الأقصى وقبابه، فشكوا إليه الخراب، فأمر أن يقلع ذلك الذهب والصفائح التي على القبة والأبواب، وأن يعمروا بها ما تشعث في المسجد، ففعلوا ذلك. وكان المسجد طويلًا فأمر أن يؤخذ من طوله ويزاد في عرضه، ولما كمل البناء كتبوا على القبة مما يلي الباب القبلي من جهة الأقصى بالنص بعد البسملة: بنى هذه القبة عبد اللَّه أمير المؤمنين عبد الملك سنة أثنتين وسبعين (١) من الهجرة النبوية، وكان طول المسجد من القبلة إلى الشمال سبعمائة وخمسة وستون ذراعًا، وعرضه أربعمائة وستون ذراعًا، وكان فتوح القدس سنة ست عشرة واللَّه أعلم.


(١) في ط: وستين.