للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وروى الطبراني: أن ابن الزبير دخل على أمه فقال: إن في الموت لراحة، وكانت أمه قد أتت عليها مئة سنة لم تسقط لها سن، ولم يفسد لها بصر، فقالت: ما أحب أن أموت حتى آتي على أحد طرفيك، إما أن تملك فتقر عيني، وإما أن تقتل فأحتسبك، ثم خرج عنها وهو يقول:

ولستُ بمبتاعِ الحياةِ بسُبَّةٍ … ولا مرتقٍ من خشيةِ الموتِ سُلَّما

ثم أقبل على آل الزبير يعظهم ويقول ليكن أحدكم سيفه كما وجهه فيدفع عن نفسه بيده كأنه أمراه، واللَّه ما بقيت زحفًا قط إلا في الرعيل الأول، وما ألمت جرحًا إلا ألم الدواء، ثم حمل عليهم ومعه سيفان، فأول من لقيه الأسود فضربه بسيفه حتى أطن رجله، فقال له الأسود: أخ يا بن الزانية، فقال له ابن الزبير: اخسأ يا بن حام، أسماء زانية؟ ثم أخرجهم من المسجد. وكان على ظهر المسجد جماعة من أعوانه يرمون أعداءه بالآجر، فأصابته آجرة من أعوانه من غير قصد في مفرق رأسه ففلقت رأسه فوقف قائمًا وهو يقول:

لو كان قِرْني واحدًا كفيته

ويقول:

ولسنا على الأعقابِ تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطرُ الدمُ

ثم وقع فأكب عليه موليان له وهما يقولان:

العبد يحمي ربه ويحتمي

ثم أرسلوا إليه فحزوا رأسه.

وروى الطبراني أيضًا: عن إسحاق بن أبي إسحاق قال: أنا حاضر مقتل عبد اللَّه بن الزبير في المسجد الحرام، يوم قتل جعلت الجيوش تدخل من أبواب المسجد، وكلما دخل قوم من باب حمل عليهم حتى يخرجهم، فبينما هو على تلك الحال إذ جاءت شرفة من شرفات المسجد، فوقعت على رأسه فصرعته، وهو يتمثل بهذه الأبيات:

أسماءُ أسماءُ لا تبكيني … لم يبقَ إلا حسبي وديني

وصارمٌ لانتْ بهِ يميني

وقد روي أن أمه قالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ فقال الحجاج: ابنك المنافق، فقالت: واللَّه ما كان منافقًا، إن كان لصوامًا قوامًا وصولًا للرحم، فقال: انصرفي يا عجوز فإنك قد خرفت، فقالت: واللَّه ما خرفت منذ سمعت رسول اللَّه يقول: "يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت".

وقال مجاهد: كنت مع ابن عمر فمر على ابن الزبير فوقف فترحم عليه ثم التفت إليّ وقال: