للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ليسَ مُلكٌ يزيلهُ الموتُ مُلْكًا … إنما الملكُ مُلْكُ منْ لا يموتُ

وقال عبد الله بن المبارك: كان عمر بن عبد العزيز يقول:

تُسرُّ بما يَبْلَى (١) وتفرحُ بالمُنى … كما اغترَّ باللذاتِ في النومِ حالمُ

نهارُكَ يا مغرورُ سهوٌ وغفلةٌ … وليلكَ نومٌ والردى لكَ لازمُ

وسعيُكَ فيما سوفَ تكرهُ غِبَّهُ … كذلكَ في الدنيا تعيشُ البهائمُ (٢)

وقال محمد بن كثير: قال عمر بن عبد العزيز يلومُ نفسه ويعاتبُها:

أيقظانُ أنتَ اليومَ أم أنتَ نائمُ … وكيفَ يطيقُ النَّومَ حيرانُ هائمُ

فلو كنتَ يقظانَ الغداة لحرَّقتْ … مدامعَ (٣) عينيكَ الدموعُ السواجمُ

نهارك يا مغرورُ سَهْوٌ وغفلةٌ … وليلك نوم والرَّدَى لك لازمُ

وتُشغلُ فيما سوف تكرَهُ غِبَّهُ … كذلك في الدنيا تعيش البهائم (٤)

وروى ابنُ أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنتِ عبدِ الملك قالت: انتبه عمر ذات ليلةٍ وهو يقول: لقد رأيت الليلة رؤيا مُعجبة، فقلت: أخبرني بها، فقال: حتى نُصبح؛ فلمَّا صلَّى الصبحَ بالمسلمين، ثم دخل سألته عنها، فقال: رأيتُ كأني دُفعت إلى أرضٍ خضراءَ واسعة، كأنها بساطٌ أخضر وإذا فيها قصرٌ كأنَّه الفضة، فخرج منه خارج فنادَى أين محمد بن عبد الله، أين رسولُ الله؟ إذْ أقبل رسولُ الله ، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخرُ فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخرُ فنادَى: أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخرُ فنادى أين عثمان بن عفان؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عليُّ بن أبي طالب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخرُ فنادى أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمتُ فدخلت فجلست إلى جانب أبي عمرَ بنِ الخطاب، وهو عن يسارِ رسول الله ، وأبو بكر عن يمينه، وبينه وبين رسول الله رجل، فقلت: لأبي: منْ هذا؟ قال: هذا عيسى ابنُ مريم، ثم سمعتُ هاتفًا يهتِفُ بيني وبينه نورٌ لا أراه، وهو يقول: يا عمر بن عبد العزيز تمسَّكْ بما أنتَ عليه، واثبُتْ على ما أنت


(١) في (ق): "يفنى"، والمثبت من (ب، ح) وتاريخ ابن عساكر.
(٢) تاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٩٧).
(٣) في (ق): "محاجر عينيك"، والمثبت من (ب، ح) وتاريخ ابن عساكر.
(٤) في (ق) بدل البيتين الأخيرين هذه الأبيات الثلاثة:
أصبحت في النوم الطويل وقد دنت … إليك أمور مفظعات عظائم
وتكدح فيما سوف تكره غبه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم
فلا أنت في النوام يومًا بسالم … ولا أنت في الأيقاظ يقظان حازم
والمثبت من (ب، ح) وتاريخ ابن عساكر (٥٤/ ١٩٧، ١٩٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>