للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذِهِ وافدان، وافدُ السِّنْد، والآخر وافدُ إفريقِيَةَ بسَمْعِهم وطاعَتِهم وبَيْعَتِهم، فلا يَمضي بعدَ ذلك ثلاثةُ أيام حتَّى أموت". قال: وقد أتاني الوافدان، فأعظَمَ اللّهُ أجرَكَ يا عَمُّ في ابن أخيك، فقلت: كلَّا يا أميرَ المؤمنين إن شاء الله، قال: بلا إن شاء اللَّه. لئن كانتِ الدنيا حبيبةً فالآخرةُ أحَبُّ إليَّ، ولقاءُ رَبِّي خيرٌ لي. وصحَّةُ الروايةِ عن رسولِ الله بذلك أحَبُّ إلي منها، والله ما كَذَبْت ولا كُذِبْت. ثم نهض ودخل مَنْزِله، وأمرَني بالجلوس، فلما جاء المؤذِّنُ يُعلِمُه بوقتِ الظُّهر خرج الخادم يُعلمني أنْ أصلِّيَ عنه، وكذلك العصرَ والمغربَ والعشاء، كل ذلك يخرجُ الخادم فيأمرني أن أصلِّي عنه، وبِتُّ هناك، فلما كان وقتُ السَّحَر أتاني الخادمُ بكتاب معه، يأمرُني أنْ أصلِّيَ عنه الصُّبحَ والعِيد، ثم أرجعُ إلى داره، وفيه يقول: يا عَمّ. إذا متُّ فلا تُعلِمِ الناسَ في موتي حتَّى تقرأَ عليهم هذا الكتاب، فيُبايعوا لِمَنْ فيه، قال: فصلَّيت بالناس، ثم رجعتُ إليه، فإذا ليس به بأس، ثم دخلتُ عليه من آخرِ النهار، فإذا هو على حالِه، غيرَ أنه قد خرجَتْ في وجههِ حبَّتان صغيرتان ثم كَبُرتَا ثم صار في وجهه حَبٌّ صغار بِيض، يُقالُ إنه جُدَرِيّ، ثم بكَّرتُ إليه في اليوم الثاني من أيَّامِ التشريق. فإذا هو قد هُجِر، وذهبَتْ عنه معرفتي ومعرفةُ غيري، ثم رجعتُ إليه بالعَشِي، فإذا هو انتفخَ حتَّى صار مثل الزِّقّ، وتُوفيَ اليومَ الثالث من أيام التشريق، فسَجَّيتُهُ كما أمَرني، وخرجتُ إلى الناس فقرأتُ عليهم كتابَه، فإذا فيه: من عبدِ الله أميرِ المؤمنين إلى الرسولِ والأولياء وجماعة المسلمين، سلامٌ عليكم، أمَا بعد، فقد قَلَّدَ أميرُ المؤمنمِن الخلافةَ عليكم بعدَ وفاتِهِ أخاه، فاسمعوا وأطيعوا، وقد قلَّدها من بعدِه عيسى بنَ موسى إنْ كان. قال: فاختلف الناسُ في قولهِ إنْ كان، قيل إنْ كان أهلًا لها، وقال آخرون: إنْ كان حيًا. وهذا القول الثاني هو الصواب. ذكره الخطيب (١) وابنُ عساكر مطوَّلًا (٢)، وهذا مُلَخَّصٌ منه، وفيه ذكرُ الحديثِ المرفوع، وهو مُنكَر جِدًّا.

وذكر ابنُ عساكر (٣) أن الطبيبَ دخل عليه فأخذ بيده، فأنشأ يقول عند ذلك:

انظُرْ إلى ضَعْفِ الحرَا ..... كِ وذُلِّهِ بعدَ السُّكُونْ

يُنْبِيكَ أنَّ بيانَهُ .... هذا مقدِّمةُ الْمَنُونْ

قال الطبيب: أنتَ صالح. فأنشأ يقول:

يُبَشِّرُنِي بأنِّي ذو صلاح … يَبِينُ لَهُ وبي داءٌ دَفينُ

لقد أيقنتُ أنِّي غيرُ باقٍ … ولا شَكٌّ إذا وَضَحَ اليَقِينُ


(١) في تاريخه ١٠/ ٥٠ - ٥١.
(٢) في تاريخ مدينة دمشق (٣٢/ ٢٩١ - ٢٩٤).
(٣) في تاريخ مدينة دمشق (٣٢/ ٢٩٠).

<<  <  ج: ص:  >  >>