للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إلى النفير تكلَّم الصِّدِّيقُ فأحْسَنَ، وغيره من المهاجرين، ثم جعل يقول: "أشِيْروا عَلَيَّ" حتى قال سعدُ بن مُعاذ: كأنك تُعَرِّض بنا يا رسول الله، فوالذي بعثك بالحق (١) لو استعرضتَ بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلَّف منا رجلٌ واحدٌ، وما نكره أن تلقى بنا عدوّنا غدًا، إنّا لصبُرٌ في الحرب، صُدُق في اللِّقاء، لعل اللهَ يريكَ منَّا ما تَقَرُّ به عينُك. فَسِرْ بنا على بركة الله. فَسُرَّ رسول الله بقول سعد وبسطه ذلك (٢).

وقال الإمام أحمد (٣): حَدَّثَنَا وكيع، حَدَّثَنَا سفيان، عن مخارق بن عبد الله الأحْمسي (٤)، عن طارق -هو ابن شهاب- أن المِقْداد قال لرسول الله يوم بدر: يا رسول الله إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، ولكن: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون.

وهذا إسنادٌ جيِّدٌ من هذا الوجه، وله طريق (٥) أخرى: قال أحمد (٦): حَدَّثَنَا أسود بن عامر، حَدَّثَنَا إسرائيل، عن مخارق، عن طارق بن شهاب قال: قال عبد الله بن مسعود: لقد شهدت من المقداد مشهدًا لأن أكون أنا صاحبه (٧) أحبَّ إليَّ مما عدل به، أتى رسول الله وهو يدعو على المشركين، قال: والله يا رسول الله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن يسارك، ومن بين يديك ومن خلفك. فرأيتُ وجه رسول الله يُشْرِق لذلك، وسُرَّ بذلك. رواه البخاري في التفسير، والمغازي من طرق، عن مخارق، به (٨).

وقال الحافظ أبو بكر بن مَردويه: حَدَّثَنَا علي بن الحسن بن علي، حَدَّثَنَا أبو حاتم الرازي، حَدَّثَنَا محمد بن عبد الله الأنصاري، حَدَّثَنَا حميد، عن أنس: أنَّ رسول الله لما سار إلى بدر استشار المسلمين، فأشار عليه عمر، ثم استشارهم فأشار عليه عمر، ثم استشارهم، فقالت الأنصار: يا معشر الأنصار إيَّاكم يريدُ رسول الله . قالوا: إذًا لا نقول له كما قال بنو إسرائيل لموسى: (﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ والذي بعثك بالحق إن ضربتَ أكبادَها إلى بَرْك الغِمَاد (٩) لاتّبعناك.


(١) كذا في ب، وط. وفي أ: فوالذي نفسي بيده.
(٢) انظر سيرة ابن هشام. غزوة بدر.
(٣) في مسنده (٤/ ٣١٤).
(٤) (الأَحْمَسِي): نسبة إلى أحمس، وهي طائفة من بجيلة نزلوا الكوفة. الأنساب (١/ ١٤٦).
(٥) في ط: طرق.
(٦) في مسنده (١/ ٣٩٠).
(٧) في ب: لأن أكون صاحبه.
(٨) قوله: به، ليس في ب. والحديث في البخاري برقم (٣٩٥٢) في المغازي، باب قوله تعالى ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾، و (٤٦٠٩)، في التفسير سورة المائدة، باب ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا﴾.
(٩) في حاشية ب: برك الغماد: مدينة النجاشي ملك الحبشة.
وقيل: هو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر. وموضع في أقاصي أرض هجر. وقيل: هو أقصى حَجْر =