للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وقد روي عن قتادة أنّه قال: يُخسف بهم كلَّ يوم قامةٌ إلى يوم القيامة. وعن ابن عباس أنّه قال: خُسف بهم إلى الأرض السابعة.

وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة ضربنا عنها صفحًا وتركناها قصدًا.

وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]، ولمّا حلّ به ما حلّ من الخسف، وذهاب الأموال، وخراب الدار، وإهلاك النفس والأهل والعقار، ندم (١) من كان تمنى مثل ما أوتي، وشكروا اللّه تعالى الذي يدبّر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون، ولهذا قالوا: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. وقد تكلّمنا على لفظ (ويك) في "التفسير" (٢)، وقد قال قتادة: (ويكأن) بمعنى: ألم تَرَ أنّ، وهذا قولٌ حسنٌ من حيثُ المعنى واللّه أعلم.

ثمّ أخبر تعالى ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ وهي دار القرار، وهي الدار التي يُغْبَط من أُعطيها، ويُعزَّى من حُرمها إنّما هي معدّة ﴿لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ فالعلوُّ هو التكبُّر، والفخر، والأشر، والبطر ﴿وَلَا فَسَادًا﴾ وهو عمل المعاصي اللّازمة والمتعدّية من أخْذِ أموال الناس، وإفساد معايشهم، والإساءة إليهم، وعدم النصح لهم، ثمّ قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾.

وقصّة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر، لقوله: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ فإن الدار ظاهرة في البنيان، وقد تكون بعد ذلك في التِيه، وتكون الدار عِبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة: [من الكامل]

يا دارَ عَبْلةَ بالجِوَاءَ تَكَلَّمي … وَعِمي صَباحًا دارَ عَبْلةَ واسْلَمي (٣)

والله أعلم.

وقد ذكر اللّه تعالى مذمّة قارون في غير ما آية من القرآن. قال اللّه تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [غافر: ٢٣، ٢٤].

وقال تعالى في سورة العنكبوت، بعد ذكر عاد وثمود وقارون وفرعون وهامان ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ


(١) في ب: تدبّر.
(٢) تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠١).
(٣) من معلقته التي مطلعها: [من الكامل]
هَلْ غادَر الشعراءُ من مُتَرَدَّمِ … أم هلْ عرفتَ الدارَ بعدَ توَهُّم
ديوانه (١٨٣). والجِواء: موضع.