للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

إليه داود، فقال له: ارجع فإني أكره قتلَك. فقال: لكني أُحب قتلك، وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضَعها في القَذَّافة، ثمّ أدارها فصارت الثلاثة حجرًا واحدًا، ثمّ رمى بها جالوتَ ففلق رأسَه وفرَّ جيشُه منهزمًا، فوفى له طالوت بما وعدَه، فزوَّجه ابنته، وأجرى حكمه في ملكه، وعظُم داودُ عند بني إسرائيل، وأحبوه ومالوا إليه أكثر من طالوت. فذكروا أن طالوت حَسَده وأراد قتله، واحتال على ذلك فلم يصل إليه. وجعل العلماءُ ينهون طالوتَ عن قتل داود، فتسلّط عليهم، فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليلُ. ثمّ حصل له توبةٌ وندم وإقلاع عما سلف منه، وجعل يُكثر من البكاء ويخرج إلى الجبَّانة فيبكي حتى يبلَّ الثرى بدموعه، فنودي ذاتَ يوم من الجبانة: أن يا طالوت قَتَلتنا، ونحن أحياء، وآذيتنا، ونحن أموات، فازداد لذلك بكاؤه وخوفه، واشتد وجله، ثمّ جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة، فقيل له: وهل أبقيت عالمًا؟! حتى دُل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به إلى قبر يوشَع . قالوا: فدعتِ الله، فقام يوشع من قبره فقال: أقامتِ القيامة؟ فقالت: لا، ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة؟ فقال: نعم. ينخلع من الملك، ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يُقتل. ثمّ عاد مَيْتًا. فترك الملكَ لداود ، وذهب ومعه ثلاثةَ عشرَ من أولاده، فقاتلوا في سبيل الله حتى قُتلوا. قالوا: فذلك قوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾.

هكذا ذكره ابن جرير في "تاريخه" (١) من طريق السدّي بإسناده. وفي بعض ذلك (٢) نظر ونكارة والله أعلم.

وقال محمد بن إسحاق: النبي الذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب. حكاه ابن جرير (٣) أيضًا.

وذكر الثعلبي أنها أتت به إلى قبر أشمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور. وهذا أنسب. ولعلّه إنما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيًا، فإن هذا إنما يكون معجزةً لنبي، وتلك المرأة لم تكن نبيَّةً. والله أعلم. قال ابن جرير (٤): وزعم أهل التوراة أن مدّة ملك طالوت إلى أن قُتل مع أولاده كانت (٥) أربعين سنةً. فالله أعلم.


(١) (١/ ٤٧٣ - ٤٧٥) وفيه تفصيل وتوضيح كثير لما أوجزه ابن كثير هنا.
(٢) لفظ ذلك مستدرك من ب، ومكانه فراغ في أ. وفي ط: هذا.
(٣) تاريخ الطبري (١/ ٤٧٥).
(٤) قوله: قال ابن جرير، سقط من ط، والخبر في تاريخ الطبري، كما أشار (١/ ٤٧٥).
(٥) كانت. زيادة من أ وهي موافقة لما في الطبري. وفي ط: أربعون.