للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

رب المنزل، وأعياهم أمرها، فلما رأى عيسى ذلك عمد إلى رجل أعمى وآخر مُقْعَد من جُملة من هو منقطع إليه، فقال للأعمى: احمل هذا المقعد وانهض به. فقال: إني لا أستطيع ذلك. فقال: بلى، كما فعلت أنت وهو حين أخذتما هذا المال من تلك الكُوَّة من الدار. فلما قال ذلك صدقاه فيما قال، وأتيا بالمال، فَعَظُم عيسى في أعين الناس وهو صغير جدًا (١).

ومن ذلك أن ابن الدهقان عمل ضيافةً للناس بسبب طهور أولاده، فلما اجتمع الناس وأطعمهم ثمّ أراد أن يسقيهم شرابًا، يعني خمرًا كما كانوا يصنعون في ذلك الزمان، لم يجد في جِراره شيئًا، فشق ذلك عليه، فلما رأى عيسى ذلك منه قام فجعل يمرُّ على تلك الجرار ويمرُّ يَده على أفواهها، فلا يفعل بجرة منها ذلك إلا امتلأت شرابًا من خيار الشراب. فتعجّب الناس من ذلك جدًا وعظّموه وعرضوا عليه وعلى أمه مالًا جزيلًا فلم يقبلاه، وارتحلا قاصدين (٢) بلاد بيت المقدس (٣). واللّه أعلم.

وقال إسحاق بن بشر: أخبرنا عثمان بن ساج (٤) وغيره عن موسى بن وَرْدان، عن أبي نَضْرة، عن أبي سعيدٍ، وعن مكحول عن أبي هريرة قال: إن عيسى ابن مريم (٥) أول ما أطلق اللّه لسانه بعد الكلام الذي تكلّم به وهو طفل فمجّد الله تمجيدًا لم تسمع الآذان بمثله، لم يَدَع شمسًا ولا قمرًا ولا جبلًا ولا نهرًا ولا عينًا إلا ذكره في تمجيده فقال: اللهم أنت القريب في علوّك، المتعال في دُنُوِّكَ، الرفيع على كلّ شيءً من خلقك. أنت الذي خَلَقتَ سبعًا في الهواء بكلماتك، مستوياتٍ طباقًا، أجَبْنَ، وهُنَّ دخانٌ من فَرَقك (٦) فأتَيْنَ طائعات لأمرك، فيهن ملائكتُكَ يسبّحون قُدْسَك لتقديسك، وجعلت فيهن نورًا على سواد الظلام وضياءً من ضوء الشمس بالنهار، وجعلت فيهن الرعد المسبِّح بالحمد، فبعزَّتك يجلو ضوءُ ظلمتك. وجعلت فيهن مصابيح يَهتدِي بهنّ في الظلمات الحيرانُ، فتباركت اللهم في مفطور سماواتك، وفيما دَحَوْتَ من أرضك. دحوتها على الماء فسمكتها على تيَّار الموج الغامر، فأذللتها إذلال التظاهر (٧) فذلَّ لطاعتك صعبها واستحيى لأمرك أمرُها، وخضعت لعزتك أمواجُها، ففجَّرْتَ فيها بعد البحور الأنهار، ومن بعد الأنهار الجداول الصغار، ومن بعد الجداول ينابيع العيون الغزار. ثمّ أخرجت منها الأنهار والأشجار والثمار، ثمّ جعلت على ظهرها الجبال فوتدتها أوتادًا على ظهر الماء، فأطاعت


(١) أورد الطبري الخبرين أكثر تفصيلًا (١/ ٥٩٧ - ٥٩٨).
(٢) ليست في ب وط.
(٣) الخبر في تاريخ الطبري (١/ ٥٩٨).
(٤) عثمان بن عمرو بن ساج، وقد ينسب إلى جده. قال ابن حجر في التقريب (٢/ ١٣): فيه ضعف.
(٥) ليست في ب.
(٦) الفَرَق: الفزع.
(٧) في ب: الموج المتغاير .... إذلال الماء المتظاهر.